 |
|
واجهة المقر الرئيسي لحزب العمل |
يمثل حزب "العمل" -المجمد- حالة نادرة ضمن مفردات العمل
السياسي والحركي في مصر؛ نظرا لتعدد المراحل التي مر بها الحزب منذ تأسيسه
في 9 من سبتمبر 1978، تفاوتت أوضاعه فيها بين القوة والضعف، ولتنوع
التشكيلة التي احتواها من الإسلاميين يوما ما، وكبر المعارك التي خاضها
بهم، سواء مع الحكومة، أو لمواجهة القوى العلمانية واليسارية المناوئة له،
وأيضا بالنظر إلى الحال التي صار عليها الآن والتي تعد الأسوأ في تاريخه.
ولعل "العمل" بعد وفاة مؤسسه المهندس (إبراهيم شكري)،
واختيار رئيس جديد له هو المستشار (محفوظ عزام) يدخل مرحلة جديدة ضمن مسيرة
طويلة للحزب ذي التوجه الإسلامي، الذي تباينت مراحل تطوره بسمات جعلت كل
مرحلة منها مختلفة تمام الاختلاف عن الأخرى.
من الاشتراكية إلى الإسلام
بدت خطوة مهمة على ساحة العمل السياسي والإسلامي في مصر أن
يتحول أحد أقوى أحزاب المعارضة عن توجهه الاشتراكي ليكون إسلاميا، وليصبح
منذ عام 1985أول حزب سياسي في مصر يتبنى الخط الإسلامي من بين 16 حزبا
تراوحت توجهاتها بين رافدي العلمانية (اليسار والليبرالية).
ومثلت خطوة التحول هذه أحد أهم القرارات التاريخية الفاصلة
في حياة المهندس والوزير السابق إبراهيم شكري، الذي يؤكد مقربون منه "أن
الحس الإسلامي كان أصيلا لديه"، أما شعار الاشتراكية الذي كان يرفعه الحزب
فلم يكن المقصود منه سوى العدالة الاجتماعية بالمعنى المعروف في الإسلام.
تكرس التحول الذي رعاه شكري بعد قيام التحالف الانتخابي مع
جماعة "الإخوان المسلمين" عام 1987 ضمن ما عرف بـ"التحالف الإسلامي" الذي
رفع شعار: "الإسلام هو الحل"، وتعزز هذا التحول في مؤتمر الحزب الخامس عام
1989 الذي عقد تحت شعار: (إصلاح شامل من منظور إسلامي)، وأعلنقادة "العمل"
خلاله تبنيهم رسميا شعار: "الإسلام هو الحل" خاصة مع خروج عناصر اشتراكية
من الحزب، ودخول عناصر إسلامية نشطة، ذات ثقل فكري مثل (عادل حسين) الذي
تولى موقع الأمين العام، ثم تأكد الخط الإسلامي رسميا بصدور البرنامج
الجديد للحزب الذي كان أكثر إسلامية، بدلا من البرنامج القديم الذي أعد عام
1978 وكان الطابع الاشتراكي يغلب عليه.
وقد بلور المؤتمر العام السادس عام 1993 الهوية الإسلامية
أكثر فأكثر لحزب العمل عندما رفع الشعارات الإسلامية، وطالب بتحكيم الشريعة
الإسلامية في البلاد، وكان مما ساعد على ذلك خروج المزيد من القيادات ذات
التوجه الاشتراكي، فيما وصف وقتها بـ"الانشقاقات" عندما خرج نائب رئيس
الحزب (أحمد مجاهد) ومعه العديد من العناصر المنشقة التي ناصبت إبراهيم
شكري العداء على توجهه الجديد ودعمه للمجموعة الإسلامية بزعامة عادل حسين.
عادل حسين و"المرحلة الذهبية"
يؤرخ المتابعون لمسيرة حزب "العمل" نقطة التحول من
الاشتراكية إلى الإسلام في بنية الحزب، بتولي عادل حسين رئاسة تحرير صحيفة
"الشعب" الناطقة بلسان الحزب منذ عام 1985، وما تبع ذلك من ظهور الملامح
الإسلامية الواضحة في تناول الموضوعات والقضايا المختلفة، عبر الجريدة التي
عرفت بكونها أجرأ صحيفة معارضة في التصدي للفساد ونقد أجهزة الدولة، فمنذ
ذلك الوقت عمل عادل حسين -المفكر الإسلامي المتحول من اليسار إلى الإسلام-
على استقطاب نخبة من الرموز الإسلامية وضمها للحزب ليخوض بهم معركة التحول
التي نجحت برغم كل العراقيل، سواء من جانب الحكومة، أو من الصحف والأحزاب
العلمانية آنذاك.
|
|
عادل حسين |
وكان على رأس الرموز الإسلامية التي استقطبها عادل حسين:
المستشار محفوظ عزام (الرئيس الحالي للحزب، وهو خال أيمن الظواهري الرجل
الثاني في تنظيم القاعدة)، والدكتور صلاح عبد المتعال، والدكتور أحمد
المهدي، وجمال سلطان، وكمال حبيب، والدكتور محمد عباس، والشيخ عبد الله
السماوي، وعبد الرحمن لطفي،وعمر عزام، كما استقطب مجموعة كبيرة من الشباب
الإسلامي، ودخل في مفاوضات مع الدكتور علاء محي الدين -المتحدث الإعلامي في
الجماعة الإسلامية-لضم مجموعة من عناصر الجماعة إلى الحزب، وهي المفاوضات
التي انتهت باغتيال محيي الدين قرب بيته في الهرم، على أيدي أجهزة الأمن
وهو عائد من لقائه مع عادل في حزب العمل، فيما اعتبر أعنف رد من النظام على
محاولات دمج شباب الجماعات في العمل السياسي التي كان يبذلها عادل حسين مع
غيره من القيادات الإسلامية في مصر.
فمنذ أحداث الصراع المسلح بين الجماعات الإسلامية
والنظام السياسي في مصر عمل حسين على استقطاب عناصر وقيادات الجماعات،
مقتنعا بأن الأفضل ألا تهدر هذه الطاقات الشابة، وأنها بحاجة إلى جهد
يدخلها في حلبة السياسة، لتكون رديفا للعمل الوطني على التغيير بالطرق
السلمية. ثم خاض نفس التجربة مع المهندس أبو العلا ماضي ومؤسسي حزب الوسط
لضم بعض عناصرهم خاصة بعد تعنت النظام في رفض الترخيص للحزب.
وفي سبيل تعزيز إسلامية حزبه أدار عادل حسين مفاوضات شاقة
مع الإخوان المسلمين تمكن خلالها من ضم عدد من القيادات الإخوانية إلى
الحزب على رأسهم: علي فتح الباب، وأكرم الشاعر، والمحمدي عبد المقصود (وهم
نواب حاليون في البرلمان) إلا أن هؤلاء ظل ولاؤهم للإخوان كما هو، وبمجرد
تجميد الحزب عادوا جميعاً إلى الجماعة وهم بعض أعضائها حالياً في مجلس
الشعب. وتردد أن عادل حسين وبعد قرار تجميد الحزب طلب من أكرم الشاعر وعلي
فتح الباب تشكيل هيئة برلمانية باسم حزب "العمل" لكي تضغط للدفع بقضيته نحو
الحل، خاصة وأنهم خاضوا الانتخابات كأعضاء عن الحزب، إلا أنهم طالبوا عادل
باستئذان المرشد فيذلك الوقت المستشار مأمون الهضيبي الذي رفض الفكرة من
الأساس.
كان عادل حسين حريصاً على نسج علاقات تقوي الوجود والتوجه
الإسلامي للحزب، وقد أسفرت جهوده في هذا الاتجاه بتشكيل جبهة واسعة ضمت
الإسلاميين والقوميين (أعضاء الحزب القدامى) على أرضية إسلامية لمواجهة ما
أطلق عليه الحزب "الحلف الأمريكي الصهيوني" وعملائه في الداخل والخارج .
يقول عامر عبد المنعم ـ الصحفي بجريدة "الشعب" ورئيس تحريرها السابق ـ
"أفادته كثيراً تجربته السابقة كشيوعي في (التنظير الإسلامي) بعد ذلك، حيث
جمع عادل حسين بين مدرستين، وكان له باع في الجدال والمناظرة، وخبرة سياسية
تفوق الوصف جعلته قادراً على الابتكار وتقديم أفكار جديدة، وكان من رواد
الفكر السياسي الإسلامي ليس في مصر وحدها بل وفي العالم العربي".
ومن خلال صحيفة "الشعب" استقطب عادل حسين كثيراً من
الشخصيات التي ساهمت في التأصيل لأسلمة توجهات حزب العمل، أمثال الشيخ محمد
الغزالي، والدكتور محمد عمارة، والمستشار طارق البشري، والدكتور عبد الوهاب
المسيري، فضلاً عن السيد مصطفى مشهور المرشد العام للإخوان المسلمين الذي
كان له مقالاً أسبوعياً تنشره الجريدة. وقد شرع الحزب في تنظيم وممارسة
كافة ألوان النشاط الإسلامي، فعقد المؤتمرات والفعاليات لنصرة قضايا
الإسلام، والدعوة إلى تطبيق الشريعة، واستضاف عدد كبير من المفكرين والكتاب
الإسلاميين ليس من مصر وحدها بل والعالم أجمع، وهو ما أعطى "العمل" دفعة
قوية ورفع من شعبيته ومصداقيته في الشارع وبين المصريين إلى درجةٍ قال معها
تقرير مركز "الأهرام للدراسات الإستراتيجية" إن حزب العمل هو الحزب الوحيد
من بين أحزاب المعارضة في مصر الذي بات يكسب عضوية جديدة بشكل مستمر.
وقد لخص عادل حسين فلسفة التحول التي قادها في حزب
"العمل" في مقولة يحفظها أعضاء الحزب وكان يرددها كثيراً، حيث يقول: "إن
الدولة لم تكن لتسمح بقيام حزب إسلامي، فلما وجدنا نحن حزبا قائما أكدنا
على إسلاميته.. وكنا كمن اختطف طائرة ثم غير اتجاهها". وقد ذهب الرجل في
أكثر من مناسبة إلى أن ما يحول بينه وبين تسمية الحزب باسم إسلامي هو فقط
قانون الأحزاب المصري، الذي يمنع تسمية الحزب باسم إسلامي.
على الساحة الفكرية، يعرف الدارسون والباحثون العرب
والأجانب عادل حسين من خلال كتابه الشهير (الاقتصاد المصري من الاستقلال
إلى التبعية) الذي صار يدرس في كليات الاقتصاد باعتباره مرجعا أساسيا، ولم
تقف مشروعات الرجل البحثية عند هذا الكتاب وإن أخذته السياسة والعمل العام
بعيدا.. ولعل كتاباته وإسهاماته في المؤتمرات والفعاليات تشكل في مجملها
مفكرا وسياسيا إسلاميا فذا، صاحب مشروع واضح للنهضة والتغيير أسسه على
"العدالة الاجتماعية" ونشر ثقافة الحريات، و"الإسلام المقاوم" الرافض
للخضوع لهيمنة واستغلال الخارج.
معارك الحزب مع الدولة
|
|
مجدي أحمد حسين |
ومنذ تحوله دارت حرب طاحنة بين الحزب الذي أخذ يطرح رؤى
إسلامية عروبية ووطنية، وشخصيات علمانية نافذة بأجهزة الدولة التى ارتبطت
بتحالف وثيق مع الولايات المتحدة وبمعاهدة سلام مع إسرائيل، وقد احتدمت
المواجهة مع تحالف "العمل" مع جماعة "الإخوان المسلمون" التي فتح لها
صحيفته ومقراته، وخاض معها تحالف انتخابي أستطاع الفوز بـ 64 مقعدا
برلمانيا، كان نصيب الحزب منها 26 في حين كان نصيب الإخوان 32 مقعداً، ما
ترتب عليه دخول جماعي للإخوان إلى ساحة البرلمان. وقد كان هذا مصدر إزعاج
للنظام زاد من حنقه على الحزب، ودفع أطرافاً في الدولة إلى تبني خط العداء
مع الحزب، والتحريض في اتجاه حله ووقف صحيفته وسجن قياداته.
وخلال هذه المواجهة التي امتدت لما يقرب من عقدين شن الحزب
وصحيفة "الشعب" أعنف حملات الهجوم علي عدد من أعضاء الحكومة بينهم وزيران
للداخلية (تم عزلهما) ووزير للنفط ووزير للزراعة ووزير للثقافة.
وإلى جانب المعارك السياسية والإعلامية التي خاضها العمل
كانت معركة رواية "وليمة لأعشاب البحر" معركة الحزب الفاصلة والتاريخية مع
الدولة والنظام السياسي، حيث هاجم الحزب وزير الثقافة فاروق حسني على سماحه
بنشر رواية الكاتب السوري حيدر حيدر التي تسيء للإسلام والذات الإلهية، على
نفقة الدولة،ونشرت "الشعب" على صدر صفحاتها مقالاً للدكتور محمد عباس تحت
عنوان "من يبايعني على الموت" دعا فيه الجماهير إلى التحرك و"الغضب لله"،
ما أشعل مظاهرات عارمة بين طلاب جامعة الأزهر واجهتها أجهزة الأمن بعنف
بالغ، الأمر الذي فتح الباب أمام اتهام الحزب والجريدة بالتحريض على الفتنة
الدينية واستغلال "الوليمة" لإشاعة الفوضى في البلاد، وهو ما عجل من ضرب
الحزب، حيث استخدمت الحكومة هذه الورقة في إعلان لجنة الأحزاب المصرية يوم
25 فبراير سنة 2000 تجميد حزب "العمل" بناء على تنازع وهمي مصطنع على
رئاسته، ومن ثم تم غلق مقراته ووقف صحيفته "الشعب".
تحول الحزب عن مساره
"بوفاة عادل حسين انتهى حزب العمل تاريخياً" هكذا ذهب عدد
لا بأس به من أعضاء الحزب الحاليين، وهم يتحسرون على ماضيه الزاهر وقوته
التنظيمية ووضوحرؤيته وخطه الأيدلوجي. فبعد وفاة مهندس التحول الإسلامي يوم
14ــ 3ــ 2001 تولى مجدي أحمد حسين موقع الأمين العام بدلا عن عمه، وكان من
قبل رئيس تحرير "الشعب"، إلا أن الفارق كان واضحاًً بين منهج وفكر وأسلوب
عادل حسين ومنهج وفكر وأسلوب ابن شقيقه الذي يحمله الكثيرون مسئولية انهيار
الحزب.
فمنذ وفاة عادل حسين والحزب يعاني نزيفا في الكفاءات على
مستوى القيادات والقواعد، كما تراجع الحزب كمؤسسة وصار أقرب إلى أن يكون
أداة أو بوقا للأمين العامالجديد يعلن منه مواقفه وأفكاره الخاصة والتي
كثيرا ما لا تعبر عن قادة الحزب وقواعده ثم كما هو الحال في انحيازه
الصريح لإيران وسياساتها أو في تبنيه لخطابيكاد يتفق وخطاب تنظيم القاعدة!.
ويبقي أن الأمين العام يفتقد لكاريزما سلفه عادل حسين الذي كان قائدا من
طراز فريد. |