|

|
|
أصول الدين في
الفطرة ميثاق مع الله
|
أصول الدين في الفطرة ميثاقا مع
الله على خيار لمن يزكيها ولا يدسّيها (
إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا
شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ) [الإنسان
: 3]، وهي في طبيعة الكون وسيرة الإنسان لمن
ينظر ويسمع فيهتدي إلى آيات الله وينفذ
إلى الغيب لا تفتنه الظواهر المشهودة ولا
الأساطير الموروثة فيعمى ويصم عن الحق (
فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً
قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ
فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ
إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ *
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي
فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ
حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ * وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ
قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ
هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ
بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً
وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً
أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ ) [الأنعام : 78 -
80].
وتلك الأصول الإيمانية إنما
تتغذى بأصول ما شرع الله من الدين، آيات
كتاب موحاة حقا من الله متلوة مبلغة صدقا
من نبي، وسنة عمل من مؤمنين اجتهادا
وجهادا يقوده الرسول ويهديه الكتاب،
والإيمان بتوحيد الله خالقا لا سبب خلق
إلا قدره يستصحب الإيمان بتوحيده هاديا
للإنسان لا مصدر هدى إلا شرعه، لكن الناس
قد يتخذون من دونه شركاء يستهدفون فيهم
هدى ومتعبدا، وقد يلحدون في الله، يكفرون
الفطرة ويعرضون عن الآيات فيلتمسون الهدى
في علم ظاهر الدنيا وهوى شهوة النفس
وإيحاء الشيطان، ومنهم من يسلم لأصل وجود
الله خالقا وشرعه هاديا لكنه لا يؤمن
يقينا مطمئنا، أولئك في ريب وغفلة وشقاق،
إذ تتنازعهم سبلا للهدى الظنون والمدركات
الفاجرة والشهوات والأهواء والوساوس
المضلة
( وَلَن تَرْضَى عَنكَ
الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى
تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى
اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ
اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي
جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ
اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ) [البقرة
: 120]، والمؤمنون الموقنون المطمئنون لا
ينقطعون عن أصول الهدى، بل يثقون بحق
الوحي من الله وصدق المتلو من الرسول: (
وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُواْ
لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا
أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَيَّ مِن
رَّبِّي هَـذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ
وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ
يُؤْمِنُونَ )[الأعراف : 203]،
وأولئك يؤمنون بحق السنة التي
صدقت الكتاب وبينته دعوة أحاديث وقدوة
أعمال: ( قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي
إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً
قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً
وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ
إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ
وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *
لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ
وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ )[الأنعام
: 161 - 163]، وأولئك يقدرون وزانة اجتهاد
المسلمين وإجماعهم عن شورى مستهدين
بالكتاب والسنة، لا سيما أن الذين شهدوا
التنزيل وصاحبوا الرسول رأيهم أوزن وأقرب
لأصول الشرع الأولى.
وكثيرا ما ينقطع المؤمنون عن
القرآن استغناء بالسنة أو باجتهاد السلف
الصالح من الصحابة وسائر الفقهاء، وقد
يكون الانقطاع باتا ويبقى الكتاب كالوثن
مقدسا لا يفتح وحافظه كالحمار يحمل أسفارا
أو كالآلة تسجل وتنقل رواية وصوتا مما لا
يفهم دراية وتدبرا، وقد يشيع الاستغناء
بالسنة أيضا من فيض منقول الاجتهاد وكثافة
التشعيب والتفريق في تراث الفكر الخالف
ويبقى النبي صلى الله عليه وسلم علما
للدين يقدس ويمدح ولا يتفقه في دعوته
وأسوته، ومثل ذلك التدين الذي عُهد قرونا
في المسلمين معلول بما أصاب أهل الكتاب
القديم الذين توارثوه وقدسوا الرسول
وألهوه ولكن الدين لم يبق فيه إلا شعار
الهوية التاريخية وضاع مضمون الهدى وباسم
الدين محاجة وملاجة ثم بتجاوزه منسيا أو
ملغياً طغى الهوى من حيث حسبوا المنفعة
والمصلحة والمبتغى والمشتهى أصلا لهدى
الحياة
( فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ
خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ
يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـذَا الأدْنَى
وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن
يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ
يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم
مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ
يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ
وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ
الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ
يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ *
وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ
وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ
نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ) [الأعراف
: 169 - 170]، وقد يتقادم الدين فنضيع أصول
الهدى فيه ولا تبقى إلا الآثار (
وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى
مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا
أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً
آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ
شَيْءٍ رِزْقاً مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ
أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) [القصص
: 57].
الذكر والصلاة
وشعيرة الذكر لله تتصل في حياة
المؤمنين لئلا يُنسى كلامه المنزل الذي
يبين أسماءه وصفاته الحسنى ويبلغ عن
العالم الغيبي الدائم ملائكة وجنا وخلقا
آخر، وعن المشهود السابق منذ قصة آدم عليه
السلام عبرة وعظة، وعن الغيبي اللاحق
بالدنيا حسابا ورضا وجنة وغضبً ونارا.
فأول الذكر تلاوة القرآن حبل
الوحي الحق الصادق، والمؤمنون يوقرونه
ولا يقتربون منه إلا تطهرا وتهيؤا لتلقى
معانيه، ويتلونه حق تلاوته – يتلون رواية
أصوات حروف كلماته بأجود وجوه النطق،
ويتلون تدبرا معانيه بأدق وقع للعلم
والشعور، ويتلون اتباعا مقتضى هديه عملا
بكل الطاقة، وتلك التلاوة والتذكرة الحق
عبر الحياة الواعية تهديهم كلما لاح
ابتلاء بحركة أو سكون ويتذكرون آياته
استشهادا على كل عمل أو قول، فالقرآن
دليلهم الشاهد في الدنيا والآخرة، وهو
ربيع قلوبهم ينبت العواطف الزكية، ونور
عقولهم يشع الخواطر الرشيدة، وطريق
حركتهم بعلامات الهدى في الحياة (
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ
يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ
أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن
يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ
الْخَاسِرُونَ )[البقرة : 121].
ومن شعيرة الذكر كذلك ذكر الرسول
صلى الله عليه وسلم، ما ذكر اسم الله وتلا
قرآنه إلا وذكر الذي اجتباه الله من البشر
ليذكر به شاهدا على هديه ومبشرا ونذيرا
بقدره القادم على الحياة الدنيا ومبلغا
يصل الأرض والحياة الدنيا وعالم الشهادة
بالسماء والحياة العليا وعالم الغيب،
وذكره يذكر بموكب الأنبياء والرسل
والهداة الذين أنبئوا أقوامهم خبر الغيب
وبلغوهم رسالته حتى ختموا به عليه الصلاة
والسلام ليتم بناء الدين تاليا آيات الله
أصل الهدى راسما نموذج السنة بسيرته
وتزكيته لمن حوله، سيرة بيان لهدى الله
للحياة في عهد ضراء الدعوة الغريبة
المستضعفة ثم عهد سراء التمكن العزيز،
للحياة الخاصة أذكارا وشعائر تعبد،
ولعلاقاتها العامة معاملات مال وسياسة
وجهاد وسلم، ولبناها مجتمعا ذا عمران
ودولة ذات رسالة ونفاذ.
وشعيرة الصلاة صلة العباد بالله
يتعبدون كأنهم يرونه، وهي بالقرآن صلة
الله بالعباد فيها تتلى الفاتحة للقرآن
تتردد ويتأكد بها تأليه الله وربوبيته
الشاملة وحمد الله ورحمته البالغة وملكه
يوم الدين، وبها تتوحد العبادة لله
والاستعانة به لمن يتلقون نعمته أصل الهدى
فيؤمنون بها غير الذين كذبوا فغضب الله
عليهم ولا الضالين، ويتلى في الصلاة ما
تيسر من القرآن، ذلك الذكر لأصول الهدى
مفروض ومسنون يواظب عليه المصلي حتى إن لم
يتعود أن يتلو القرآن في صباحه ولا مسائه
ولا في مواقع نزول آياته بالحكمة هدى لكل
الحياة.
والنبي صلى الله عليه وسلم يذكر
لا يدعى له بصلاة الله وسلامه وبركاته عند
ختام الصلاة وحسب، بل هيئة الصلاة كما كان
يصلي، فلا يكاد المصلي يقول قولا أو يفعل
فعلا إلا تذكر قدوته الرسول، بل إن التوجه
إلى المسجد الحرام قبلة ذكرى بالنبي
وسيرته في مكة وبإبراهيم وإسماعيل
وسنتهما الحنيفية عليهم جميعا الصلاة
والسلام، وفي صلاة عيد الأضحى ذكرى
إبراهيم، وخاصة في مثال طاعته لأمر الله
ولو جاءه بالرؤيا ولو كان بذبح نفس ولو
كانت هي ابنه البالغ الواعد، ذلك غير ما قد
يتلو المصلي في قراءته القرآن من قصص
الأنبياء وخطابهم دعاة وهداة.
الصيام والحج
والصيام فرضا في شهر رمضان
احتفال بمبتدأ نزول القرآن فيه، تكبيرا
لله وشكرا على هداه ودعاء، إذ تعود فيه
ذكرى ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر
سلام تنزل فيها الملائكة ويبرم فيها كل
أمر بكتاب حكيم، والاحتفال ليس تلاوة وحسب
يفيض فيها الصائمون عرفا ويكثرونها في
صلاة التراويح، بل هو التزام بهدى القرآن
المكتوب ولو وقع على ما يقاوم شهوة الطعام
والمواطأة ولغو الكلام، بل يتبع هدى
الفرقان بين الحق والباطل ولو دعا تنزيله
إلى الواقع إلى جهاد مثل يوم المعركة
الفرقان في بدر
( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ
أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى
لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى
وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ
الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ
مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ
مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ
بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ
الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ
وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا
هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي
فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ
الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ
فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ
بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) [البقرة
: 185 - 186].
أما شعيرة الحج فهي هجرة من الوطن
إلى مكة، كأنها إلى حيث أنزل الله آدم من
الجنة ونعمائها وتجربته فيها إلى الدنيا
وابتلاءاتها، وهي إلى حيث رفع إبراهيم
وإسماعيل قواعد المسجد الحرام مصلى ووضعا
حوله سنة الإسلام، وحيث أنزل القرآن على
محمد في بلد مولد دعوة تجديد الإسلام
ومنشأ زمرته الأولى المجاهدة التي حملته
للعالمين ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا
جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ
النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ
أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ
وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ *
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى
اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ
لَمَّا جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ
مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ * وَالَّذِينَ
جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ
سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ
الْمُحْسِنِينَ ) [العنكبوت : 67 - 69].
ومساعي الحج كلها وشعائره ذكريات
لذلك التاريخ وما خلفه من تراث إعمار
المسجد الحرام، وذلك كله ترسيخ لأصول
الهدى في نفوس الحجاج، لا سيما أن قد يعرّج
الحاج إلى المدينة يزور مسجد الرسول صلى
الله عليه وسلم ويرى الآثار المذكرة
بسلطان الإسلام ومجتمعه الأول وسلف
الخلافة الذي أضاف بيانا راشدا للكتاب
والسنة بالرواية والاقتداء، فأثرى مصادر
الهدى لحياة المسلمين من بعد مرجّعة إلى
أصل الشرع الواحد.
الشعائر وأصول الشرع
هكذا تتخلل الشعائر الدينية كل
حياة المسلمين راجعة بهم إلى أصول الشرع
تذكيرا وتمثيلا مؤصلة على ذلك كل الحياة
حولها، فالقرآن بتواتر الشعائر حاضر أبدا
عند المؤمنين مذكور لا مهجور يتلى في
الصلاة ويحتفل صياما بعيد نزوله وحجا
لمكان متنزله، وسنن الرسالة كلها مجلية لا
منسية تقلد وتحاكى بدقة في هيئات الشعائر
وسنة الصالحين من بعد يستهدى بها.
هكذا تتوحد أصول الهدى مرجعا إلى
الله والقرآن وبسطا لبيانها بالسنة
المهدية بالقرآن والاجتهاد الذي لا يصرفه
الهوى عن مصدر الاهتداء، والقرآن يتلى
والسنة تذكر في الشعائر يتعلم بذلك
المؤمنون ويتزكون وينزلونه حكمة في
الواقع، ولا يستغني المسلمون مع الشعائر
صلاة وصوما وحجا عن التماس العلوم في شتى
مساقات الوجود والحياة من شتى المراجع
الصادرة من المسلمين أو الواردة عليهم من
بني الإنسان، كل ذلك يضيء لهم طرق الهدى في
الحياة، ولكنهم يردونه بتوحيد أصل الهدى
إلى أصول الشرع لا ينقطعون ولا ينحرفون به
عنها، فالاجتهاد والكسب البشري لا يكبت
ولا يهمل إذا كان مأخذه ومستنبطه ومستقاه
أو مستصفاه من فيض شرع الدين وهديه الذي لا
يجف أبدا، لكن الذي أُشرب غيره غشيه الهوى
والضلال..
القرآن أصل للهدى الشامل الحاكم
في خلافيات البشر ( وَمَا أَنزَلْنَا
عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ
لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ
وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ
يُؤْمِنُونَ ) [النحل : 64] وآياته حق مطلق
حتى لو ذكرت شيئا مما وكل الله علمه لسمع
الناس وبصرهم وفؤادهم من أقداره الطبيعية (
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ
وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي
تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ
النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ
السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ
الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا
مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ
الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ
بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ
لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) [البقرة : 164].
والسنة فصل فيما يختلف فيه الناس
هداها وقوّمها وأبرم حقها القرآن، وتراث
السلف الصالح مصدر هدى مقدر أصدق مرجعا
إلى أصل الشرع الواحد وأهدى من أعراف
المجتمعات وآراء أعلامها الذين جانبوا
أصول الشرع وانقطعوا عنها وهجروها لطول
العهد وإطباق الغفلة ويبس القلوب،
والشعائر المسنونة إذا أديت بوعي حي
وأقيمت بمواظبة متوالية تجدد العهد
بالأصول التي شرع الله بها الدين وبيانه
وتذكر وترطب القلوب بها إيمانا وتوحدها
مصدرا للهدى في الحياة واتقاء لفتنة
المصادر العارضة للإنسان بقوة تجاذبه
وتزيغه عن الهدى إلى الضلال.
( ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ
رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ *
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا
رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) [البقرة : 2 -
3]، ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا
مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ
نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ
آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ
يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ *
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ
الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ
إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ
عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ) [البقرة
: 170 - 171].
( قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ
اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ
يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى
أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا
اللّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ
الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ
لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى
الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى
اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا
لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ *
وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلاةَ
وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِيَ إِلَيْهِ
تُحْشَرُونَ ) [الأنعام : 71 - 72].
(يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ
فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا
أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا
الرَّسُولَا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا
أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا
فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا
آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ
وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً ) [الأحزاب
:66 - 68].
الشعائر تجارب جماعية
والشعائر تجارب جماعية تصافا في
الصلاة الجماعة وتعازيا في الصيام
وتجمهرا في الحج وتكافلا في الصدقة، وهو
بذلك تقريب للمسلمين وهم يأخذون من أصول
هديهم الأولى بالاجتهاد أحكاما تنزل
خوالد الشريعة على وقائع الحياة
المتجددة، لا يتقاصون فيأخذ المجتهد
الهدى كما يأخذ الذئب من الغنم القاصية،
ولا يتعازلون لأن الجدل بالحسنى يذكّر
المجتهد ليسترد ما فوت نسيا ويستفزه ليبعث
ما ترك عطلا من مذخورات معلوماته.
ولأن التشاور يجمع علوم
المجتهدين وما عندهم من تجارب الإنسان
التي لا يحيط بفروعها ولا حقائقها فرد،
وكسب الجماعة المجتهدة شركة يسهم فيها
المؤمنون كافة كما يجتمعون على الشعائر من
نُسب إلى علماء الأمة ومن درج في سواده
العام، ذلك ينتهي بهم إلى عرف مقبول
يلتزمونه طوعا أو إجماعٍ حاكم لازم في
شأنهم العام أو أمر وال منهم مشروع بما
فوقه من الأصول الجامعة للأمة ينفذ به إلى
ثنايا الواقع
(وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن
بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى
وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ
الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى
وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً
)[النساء : 115]، ) وَمَا كَانَ
الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً
فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ
مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ
فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ
إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ
يَحْذَرُونَ ) [التوبة : 122]، (
وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ
وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ
شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا
رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ )[الشورى : 38].
|