ماذا
تعني الديمقراطية للفقراء؟ وهل يؤدي الإصلاح
السياسي إلى القضاء على الفقر؟ وما هي طبيعة
العلاقة بين النظام السياسي والانطلاق
الاقتصادي والاجتماعي؟.
الإجابة
عن هذه الأسئلة جميعها ليست حاسمة. ومن
يقول غير ذلك إما يجهل الموضوع أو يكذب على
الناس، ويستهدف مجرد تحريضهم للحصول على
مكاسب سياسية، بغض النظر عما إذا كان من
أنصار الحكم الديمقراطي أو التسلطي.
إن
كل التعميمات التبسيطية تصطدم مع الحقائق
المقارنة المتوافرة. فقد نجحت
الديمقراطيات الغربية في القضاء على الفقر
إلى حد كبير. ولكن أقطار أوربا الغربية
والشمالية بدأت في أثناء الحكم الاستبدادي
المصاحب لنشأة الدولة القومية من أوضاع
اقتصادية أفضل من غالبية أقطار العالم الثالث
الآن؛، فأكثرها كان يتمتع بدخل متوسط للفرد
في القرن السادس والسابع عشر أعلى مما تتمتع
به دول عربية وإفريقية كثيرة في اللحظة
الراهنة.
ونجحت
دول استبدادية خلال الربع الأخير من القرن
العشرين في تحقيق الانطلاق الاقتصادي،
ويكفي أن نشير إلى حالة تشيلي التي حققت قفزة
اقتصادية هائلة أثناء حكم بينوشيه العسكري
الفاشي. ولكن ذلك لا يعني أن الدول
الاستبدادية أفضل من حيث الأداء الاقتصادي
والقضاء على الفقر من الدول الديمقراطية.
فالواقع أن المتوسطات العالمية تقول بغير ذلك.
غاية
ما نقوله إن الديمقراطية والاستبداد لا
يفسران بذاتهما التقدم والتخلف الاقتصادي
وما يرتبط به من فقر وبطالة وغيرها من العلل.
فالتخلف والفقر وجدا في نظم ديمقراطية
واستبدادية. والعكس صحيح أيضا، حيث نجحت
بعض الدول الديمقراطية والاستبدادية في
تحقيق الانطلاق الاقتصادي والقضاء على الفقر.
ويعني ذلك أن سر القضاء على الفقر يكمن في
عوامل أخرى بعضها مستقل عن تصنيف النظام
السياسي وما إذا كان ديمقراطيا أو استبداديا.
أسرار
الفشل والنجاح
وقبل
أن نحاول فهم هذه الأسرار يجب أن نشير إلى
حقيقة أن أنصار الاستبداد عادة ما يبررون
انقلاباتهم العسكرية والدستورية بالقول
بأنهم يريدون التركيز على حل المشكلات
الاقتصادية، وبعضهم ينجح في ذلك مؤقتا بطريقة
محددة، وهي تخفيض مستويات الأجور الفعلية
بدرجة كبيرة لحساب رفع معدلات الربح،
وبالتالي رفع معدلات التراكم، وقد لا يضمن
هذا الأسلوب الانطلاق الاقتصادي على المدى
البعيد. فقد يتم بالفعل رفع معدلات الربح،
ولكن يتم إهدار أو إهلاك الثروات التي
تحققها الطبقات الغنية والمالكة في مختلف
مظاهر الاستعراض الاستهلاكي.
أما
الذين ينجحون سواء كانوا يحكمون بصورة
ديمقراطية أم استبدادية فقد انتهجوا سياسات
اقتصادية واجتماعية بعدت عن المظاهر التي
تتلف الثروة ووظفوا التراكم الرأسمالي في
بناء وتوسيع قاعدة قوية للإنتاج وذات إنتاجية
عالية مع التركيز على الفروع الأحدث
تكنولوجيا خاصة في قطاع الصناعة، وتطلب ذلك
بدوره تركيز الإنفاق الحكومي على التنمية
البشرية من تعليم وصحة وتدريب وثقافة ورياضة
وغيرها من الأنشطة الضرورية لنقل الناس من
مهن تافهة ذات إنتاجية منخفضة إلى مهن عالية
الإنتاجية فتم القضاء على الفقر.
ما
حدث في العالم العربي خصوصا خلال ربع القرن
الماضي هو انتهاج النمط الأول، حيث تم إهدار
ثروات هائلة في مختلف مظاهر الاستعراض
الاستهلاكي، وقامت السياسات الاقتصادية
والاجتماعية بتشجيع إهدار الثروة في
الاستهلاك عموما والاستهلاك الترفي
والاستعراضي خصوصا.
ويبدو
منطقيا إلى حد كبير لأن اكتساب الثروة لم يتم
عن طريق العمل الشاق أو المساهمة في الإنتاج
المبتكر والجيد، وإنما عن طريق آليات الفساد
والأشكال الأخرى للتوزيع الظالم وغير
العقلاني، ولذلك لم تتسع قاعدة الإنتاج
وركدت الزراعة والصناعة ولم تتم الإنتاجية
بمعدلات مقبولة، فظل الفقر على حاله بالرغم
من انبثاق واستمرار ثروة نقدية هائلة أهدر
الكثير منها في الداخل والخارج وظل جزء منها
عاطلا لا يجد طريقه إلى دورة إنتاج مربحة
عالية العائد.
وبذلك
فشلت الدولة الاستبدادية العربية في المجال
الوحيد الذي تدعي فيه التفوق، أي القول
بأنها هي القادرة على تحقيق الانطلاق والقضاء
على الفقر أو تخفيفه مثلما فعلت دول
استبدادية أخرى في العالم الثالث مثل كوريا
في الستينيات والسبعينيات أو تشيلي في
السبعينيات والثمانينيات. ومن ثم عانى
العالم العربي طويلا من استمرار الاستبداد
السياسي والتخلف الاقتصادي معا.
الديمقراطية..
هل تنجح؟
في
هذه الظروف هل تؤدي الإصلاحات الديمقراطية
فيما لو تمت باستقامة وبصورة ذات معني إلى
تحقيق ما فشلت فيه النظم الاستبدادية العربية؟
الواقع أن هناك
بعض الضمانات لأن يؤدي الانتقال الديمقراطي
بذاته إلى أداء اقتصادي أفضل، أو على الأقل
إلى قدر أقل من الظلم وعدم المساواة، هنا
لدينا ما يكفي من الأدلة الإحصائية.
فالبحوث
المقارنة على مستوى عالمي تنتهي بوضوح إلى
نتيجة حاسمة تقول إن درجة عدم المساواة تقل مع
التطور الديمقراطي أو أن الدول الديمقراطية
فيها قدر من العدالة التوزيعية أكبر من الدول
غير الديمقراطية، وتعود هذه الحقيقة جزئيا
إلى أن الديمقراطية تمكن الناس من التمتع
بمزايا المواطنة النشيطة، فحيثما لا يملك
الفقراء قوة مساومة اقتصادية سيكون لديهم على
الأقل قوة مساومة سياسية تشمل الصوت
الانتخابي والممثلين الأكثر إخلاصا في تمثيل
مصالح الفقراء، فضلا عن امتلاك منظماتهم
المستقلة والتي تساوم وتتفاوض باسمهم.
غير
أن هذا كله على أهميته لا يضمن تلقائيا تحقيق
الانطلاق الاقتصادي والقضاء على الفقر.
فبالنسبة للمجتمعات الكبيرة لا توجد
إستراتيجية للقضاء على الفقر إلا التصنيع،
والتصنيع وحده وبتعبير آخر فإن امتلاك أفضل
بنية أساسية وقطاع سياحة كبير وخدمات أخرى
مماثلة لن يؤدي أبدا للقضاء على الفقر أو
تحقيق الانطلاق الاقتصادي إلا في مجتمعات
صغيرة للغاية.
ومن
ثم فإن السر الحقيقي والأكثر فعالية في
القضاء على الفقر هو التصنيع والتحديث
الاقتصادي عامة. ويجب ألا نصدق أحدا سواء
كان ديمقراطيا أم استبداديا عندما يعد الناس
بالقضاء على الفقر إلا إذا كانت لديه
إستراتيجية محددة للتصنيع والتحديث
الاقتصادي. وإلا قال لمجتمعه الحقيقة،
حيث لا تصنيع ولا تحديث اقتصاديا بدون تضحيات
قومية وعادلة.
فالتصنيع
وحده هو القادر على أن يجبر الناس على خوض
تجربة تعليم وتدريب لا حدود لها ولا تتوقف عند
زمن معين أو مكان بذاته. وهو وحده الذي
يوفر إمكانية التثقيف العصري بما يرتبط به من
أنماط حياة خلاقة وأكثر قدرة على فتح أبواب
الخيال التي كانت مغلقة وتوسيع مجال الاختيار
الذي يضيفه الفقر وقلة المعرفة وغيبة
المهارات الحديثة.
كما
يجب ألا نصدق أحدا سواء كان ديمقراطيا أم
استبداديا لو قام بمحاولة القضاء على الفقر
عن طريق زيادة الأجور والمرتبات الاسمية بدون
تصنيع وتحديث اقتصادي وبدون تحسين إنتاجية
الاقتصاد.
فما
يحصل عليه الناس من نقود سريعا ما يضيع في شكل
زيادة الأسعار، ويمكن للناس الثقة في مثل هذه
الوعود فقط عندما يطرح عليهم إستراتيجية
للتصنيع والتحديث الاقتصادي وتتم صياغة
برامج عمل محددة للقضاء على الأصل الحقيقي
للفقر وهو قلة المهارات والأدوات الضرورية
لكسب لقمة عيش بعرق الجبين ومن خلال وظائف
حقيقية وذات معنى وتسمح بزيادة الإنتاجية
والعائد بصورة محسوسة مع زيادة المعرفة.
وهذا
كله ممكن أكثر كثيرا من خلال الصدق والمصارحة
بالحقيقة والمعلومات السليمة والمعارف
الخلاقة، وهي بدورها ممكنة أكثر كثيرا في ظل
الديمقراطية عنها في ظل الاستبداد.
اقرأ
أيضًا:
**
نائب مدير مركز
الدراسات السياسية والإستراتيجية
بالأهرام، والمقال نقلا عن صحيفة الأهرام
المصرية، بتاريخ 6 يونيو 2005، والعنوان
الأصلي للمقالة ماذا يعني الإصلاح
الديمقراطي للاقتصاد؟.