|

|
|
الأعمال المنزلية تحتاج لحلول حتى تؤتي ثمارها في السودان
|
يمثل
العمل المنزلي في السودان وسيلة من وسائل
التغلب على البطالة التي تتراوح معدلاتها ما
بين 15 و20%، وذلك وفقا للمسئولين الرسميين.
وتزداد أهمية هذه الأنشطة الاقتصادية في
مرحلة ما بعد الحرب الأهلية مع الجنوب، حيث
تعيش البلاد أجواء انفتاح اقتصادي وتدفق
استثماري خارجي ستعمق من قيم العمل الخاص في
المجتمع.
ومن
هنا، فإن تقويم تجارب العمل المنزلي السوداني
وتحديد مشكلاتها وكيفية حلها يعد أمرا مهما،
لاسيما أن ثمة إقبالا بين الفئات السودانية
المختلفة على هذا النشاط الاقتصادي، خاصة أنه
يستلزم مبالغ مالية صغيرة لإنشائه، فضلا عن
ملاءمته لبعض الفئات مثل المرأة، كما تتنوع
أنشطته ما بين زراعية وصناعية وخدمية.
نماذج
العمل المنزلي
هناك
العديد من صور العمل من المنزل في السودان،
ونعرض فيما يلي لبعض النماذج:
1)
الإنتاج الحيواني (ألبان - لحوم):
طبيعة
وحجم المساكن في المدن الصغيرة والريف بصفة
عامة وفي بعض المدن الكبيرة أتاحت للعديد من
الأسر ممارسة أنواع من النشاط الاقتصادي من
أبرزها الإنتاج الحيواني (ألبان ولحوم).
ويتفاوت الهدف ما بين أن يكون هذا الإنتاج
مصدرا إضافيا لدخل الأسرة أو حتى دخلا رئيسيا
للبعض، وقد يقتصر الهدف فقط على توفير
احتياجات الأسرة من هذه المنتجات.
وقد
اكتسب العاملون في هذا النشاط خبرات مميزة في
اختيار السلالات ذات الإنتاجية العالية
والتي تتعايش مع ظروف البيئة، واكتسبت هذه
المنتجات سمعة جيدة لدى المستهلكين، ولا زالت
تمثل الرغبة الأولى في مصادر الحصول على هذه
المنتجات، مقارنة مع المصادر الأخرى من جانب
الجودة والمذاق المميز والسعر الملائم.
2)
الزراعة (الجبراكة):
عُرف
هذا النوع من النشاط بالزراعة حول المساكن (الزراعة
المنزلية)، فيما يُعرف بالجبراكة في إقليم
كردفان. وتوفر الجبراكة منتجات زراعية محدودة
وفقا لمحدودية المساحة التابعة لأماكن السكن
وتتميز أيضا بالجودة وتوفير احتياجات السكان
من أهل الحي المعين في شكل منتجات طازجة
معروفة المصدر.
3)
النسيج:
تنتشر
صناعة النسيج اليدوي بواسطة (المنول اليدوي
البسيط) في العديد من المدن والقرى وإن تميزت
بها مناطق أكثر من الأخرى. وعادة ما تأخذ
مكانها من داخل المنازل ويتم التسويق أيضا
بشكل أساسي من موقع الإنتاج في المنازل.
وقد
تأثر الإنتاج اليدوي من هذه المناسج (المنول)
في الآونة الأخيرة بعوامل المنافسة من
الإنتاج الصناعي المستورد الذي يتميز بقلة
التكلفة وأسعار العرض المنافسة، ومميزات
استخدام الخيوط الصناعية المطورة.
4)
الصناعات الغذائية:
تحتل
الصناعات الغذائية مكانها في مقدمة الصناعات
المنزلية التي لها تاريخ طويل وانتشار جغرافي
واسع على امتداد أرجاء السودان، وإن اختلف
النمط والنوع بين المدن الكبيرة والصغيرة
والأرياف، ولكنها تشترك في امتدادها بين
صناعات الحلويات والفطائر إلى توفير الوجبات
الغذائية السودانية التقليدية (المحلية).
وللنساء
القدر الأكبر من هذا النشاط دون الرجال بحكم
أنها أصلا مهنة المرأة التقليدية في البيت
السوداني، غير أن الممارسة هنا والنشاط في
شكل اقتصادي أو تجاري، حيث تسهم المرأة بهذا
النشاط في توفير مصدر الدخل للأسرة بشكل
رئيسي أو في شكل دخل إضافي.
وتتميز
منتجات هذا النشاط بأنها ذات طلب مميز
ومتنام، مميز من حيث أن المستهلك يُفضل
الحصول على هذا النوع من المنتجات من هذه
المصادر بسبب الثقة في مستوى الجودة والنظافة
تحديدا التي لا تتاح للمحلات (المطاعم)
التجارية الكبيرة والتي لا تتيح للمستهلك
التأكد من مواقع إعداد الطعام ومدى مطابقتها
لمعايير النظافة.
كما
أن الطلب على هذه المنتجات متنام بسبب التغير
في نمط المعيشة وزيادة معدلات خروج المرأة
للعمل، وبالتالي تحول نسبة من الأسر للحصول
على متطلبات الأسرة من الغذاء من هذه المصادر
التي تكاد تكون مطابقة لنوعية الغذاء المنتج
في البيوت أصلا. كما أن هذا النشاط لا يتطلب من
المشتغلات به غير رأس المال العامل حيث لا
يتطلب الأمر معدات أو أدوات خاصة في غالب
الصناعات الغذائية المنزلية.
5)
الأشغال اليدوية:
تمتد
قائمة الأنشطة تحت مسمى الأشغال اليدوية التي
تمثل أحد صور العمل من المنزل لتشمل العديد من
المنتجات، بعضها منتجات سودانية تقليدية مثل
منتجات السعف من السلال والبروش. وبعض
المنتجات تستخدم لها مدخلات مستحدثة مثل
السلفان ومنتجات البلاستيك الأخرى. وتواجه
هذه الأنشطة أكثر من غيرها منافسة غير
متكافئة من منتجات المصانع الكبيرة
والمنتجات المستوردة.
مشكلات
التجربة
ثمة
صفات مشتركة لتجارب العمل من المنزل في
السودان، من أبرزها تفاوت أهمية هذه الأنشطة
للأسر والأفراد القائمين على عمليات الإنتاج
حسب أهمية النشاط، فقد تمثل هذه الأنشطة مصدر
الدخل الأساسي أو قد تكون مجرد مصدر دخل إضافي
لتحسين دخل الأسرة أو الفرد.
كما
أن أسعار منتجات العمل المنزلي غالبا ما تكون
مميزة بسبب أن البيع يتم للمستهلك النهائي
مباشرة، حيث لا توجد مصروفات إدارية تشكل
عنصر تكلفة مؤثرا، لكن كميات الإنتاج متواضعة
وغير مستقرة، يضاف إلى ذلك أن المرأة تمثل
العنصر الفاعل الرئيسي في أنشطة العمل
المنزلي في السودان.
ولكن
هناك مشكلات عامة تواجه صغار المنتجين من
المنازل على رأسها: ظروف
التسويق وعدم الإقبال على شراء السلع
الكمالية (كما في حالة منتجات المشاغل
والأعمال اليدوية)، وكذلك ارتفاع التضخم الذي
يؤثر على رأسمال مشروعات العمل المنزلي (تآكل
رأس المال)، وارتفاع أسعار المدخلات خاصة في
حالة المشروعات الصناعية.
كما
أن هناك مقابلة لمتطلبات الأسرة على حساب رأس
المال التشغيلي بسبب محدودية الدخل وزيادة
متطلبات الأسرة وعدم الخبرة الإدارية، بحيث
لا يوجد فاصل واضح بين ميزانية الأسرة
والميزانية المخصصة للعمل (فكرة الشخصية
الاعتبارية للمشروع).
أيضا
تمثل الضرائب مشكلة أساسية للعمل المنزلي في
السودان، حيث أنه لا توجد فئات معفاة من
الضرائب، مهما كان حجم النشاط الاقتصادي،
وتقديرات الضريبة لا تتناسب مع العائد
الحقيقي لهذه الأنشطة، ولا يراعى فكرة دعم
هذه الأنشطة اقتصاديا واجتماعيا.
يضاف
إلى ذلك أن التمويل (الملائم) يُصعب على غالب
المنتمين لهذه الفئات من صغار المنتجين الذين
يجعلون من مواقع السكن مقارا لنشاطهم
الاقتصادي أن يحصلوا على التمويل الملائم
لعدة أسباب منها:
-
الضمانات
المطلوبة، حيث يصعب على صغار المنتجين توفير
الضمانات التي تطلبها جهات التمويل.
-
تكلفة
التمويل.
-
تحديد
الاحتياجات الفعلية.
-
متطلبات
أخرى (الرخص التجارية، الملف الضريبي)
المشاغل..
نموذج تطبيقي
ولكي
نتخيل حجم المشكلات وإمكانية حلها في مشروعات
العمل المنزل في السودان، فيمكن اختيار مشروع
مشاغل الخياطة من تجارب العمل من المنازل ذات
الحجم الأكبر نسبيا مقارنة ببقية الأنشطة،
حيث تتطلب وجود ماكينة خياطة أو أكثر من
ماكينة وفي بعض المشاغل ماكينات ذات مواصفات
خاصة.
ويلزم
توفر أقمشة ومستلزمات الخياطة الأخرى بمستوى
مواصفات محدد وغالبا ما يتطلب ذلك توفير
رأسمال قد لا يتوفر لسواد المشتغلين (أو الذين
يودون العمل) في هذا المجال.
مشاغل
الخياطة مختلفة من ناحية الحجم وفي مواقع
مختلفة، وهذه المشاغل تنتج ملابس أطفال وزيا
إسلاميا وملايات وأكياس مخدات (شراشف)،
بالإضافة إلى الأعمال اليدوية، مثل: الفوط
المطبوعة، وأشغال الإبرة، كما يتفاوت حجم
المشاغل وعدد الماكينات واستمرارية العمل.
ومن
أسباب تعثر هذه المشاغل في السودان:
1
- ظروف السوق وضعف الطلب على السلع الكمالية،
كما أن الأقمشة المطلوبة كمدخلات لهذا النشاط
مرتفعة التكلفة، لأن أغلبها مستورد بالإضافة
إلى ارتفاع تكاليف الخياطة الأخرى. يضاف إلى
ذلك، ارتفاع سعر التكلفة، وبالتالي ارتفاع
سعر المنتجات، مما جعل الطلب عليها منخفضا (مقارنة
بالمستورد من الملابس الجاهزة).
2
- عدم الدراية بمتطلبات الأسواق، فالطلب
موسمي، وهنالك بعض النساء اللاتي لم يسبق لهن
العمل بصورة تجارية، مما جعل إنتاجهن غير
متقن ولا يستطيع المنافسة في الأسواق.
أما
الحلول والمقترحات لحل مشكلات مشاغل الخياطة
فتتمحور حول وجود جهة تقوم بعملية التنسيق (فرد-
مؤسسة)، وذلك بالاستفادة من المعطيات المتاحة
المتمثلة في قطاع كبير من النساء لديهن بعض من
خبرة في هذا النشاط. بالإضافة لوجود عدد كبير
جدا من ماكينات الخياطة (بمواصفات فنية
متفاوتة) موزعة في مناطق جغرافية واسعة
وبعضها متقاربة. ويتم ذلك بتكوين مجموعات
إنتاج متكاملة مع بعضها، وتكون المهمة
الرئيسية لجهة التنسيق:
-
تحليل وحصر دقيق للإمكانيات المتاحة (البشرية
والمادية)
-
تحديد نوع المنتجات التي يمكن الحصول عليها
من هذه الإمكانيات
-
تحديد المقدرة على التسويق- كمية المبيعات
المتوقعة- نوعية المنتجات المطلوبة- (دراسة
جانب الطلب)
-
أن يتم شراء المدخلات للمجموعة المتكاملة
للاستفادة من وفورات الشراء الكبير
-
تحديد الجزء المطلوب -من الأسرة أو المرأة
المعينة عضوة المجموعة- إنتاجه (بمواصفات
محددة وفقا لبرنامج زمني)
-
أن يتم تحديد المقابل المالي المتوقع ووقت
الدفع
-
توفير المعلومات والأرقام المقارنة التي
تقوي قناعة وحماس أفراد المجموعة لفكرة العمل
الجماعي الذي يكمل بعضه بعضا
-
الاستعانة بجهات الاختصاص لتوفير الدعم
الفني (تدريب- تطوير المنتجات- أسلوب العرض
والتسويق)
الخلاصة
أن هذه المجموعة الإنتاجية المتكاملة يمكن أن
توازي إنتاج مصنع كامل للملابس الجاهزة مع
وفر كبير في المصروفات الإدارية، فقط بشرط أن
تكون الجهة القائمة على عملية تنسيق التكامل
ذات خبرة وقناعة.
وهذه
الطريقة في حل مشكلات مشاغل الخياطة
المتكاملة التي تعمل من المنازل يمكن إعادة
تطبيقها على بقية الأنشطة مع مراعاة الطبيعة
الخاصة لكل نشاط.
اقرأ
أيضا:
**
خبير سوداني في الشئون الاقتصادية
|