 |
|
خريجون فلسطينون ينتظرون مصيرهم في طابور البطالة
|
لو
عادت بكم السنين إلى مرحلة الثانوية، فهل
كنتم ستدخلون نفس التخصص؟. هذا سؤال يضايق
الكثير من الخريجين الجامعيين في قطاع غزة
الذين يواجهون رفض سوق العمل لتخصصاتهم، خاصة
إذا كانت نظرية.
مهام
أبو شعبان (24 عاما) الحاصلة على بكالوريوس لغة
عربية عام 2002 بتقدير جيد جدا تقول إنه رغم
حبها الشديد للغة العربية، فإن الأيام لو
عادت بها، فلن تدخل قطعا هذا التخصص، وستبحث
عن كلية مطلوبة في السوق.
ورغم
أن أهلها لم يضغطوا عليها كي تختار هذا التخصص،
فإنهم لم يحاولوا توجيهها نحو التخصص السليم
من وجهة نظرها. وتوجهت بالنصيحة لكل طالب
وطالبة بأن يدرسوا قراراتهم جيدا، قبل
الالتحاق بالجامعة ويسألوا خبراء السوق
لمعرفة ما يحتاجه السوق.
أما
طارق مهاني الحاصل على بكالوريوس آداب اللغة
الإنجليزية عام 2003، فيقول: لو عاد به الزمان
لاختار تخصصات التجارة خاصة البنوك، وما
يتعلق بالمصارف؛ لأن الاقتصاد بات لغة العصر.
ويحمل مهاني على والده الذي أجبره على اختيار
هذا التخصص.
ومثل
هذين الشابين الكثير من الجامعيين
الفلسطينيين الذين يعانون من عدم التوازن بين
حاجات سوق العمل، وقبول الطلاب في التخصصات
الجامعية، ويصل عدد الخريجين الجامعيين
سنويا في غزة إلى 4500 جامعي، ولا يتم تشغيل غير
5% منهم وفقا لمصادر بوزارة التعليم العالي.
وبذلك تزداد حدة أزمة البطالة التي تصل
معدلاتها -حسب البنك الدولي- إلى 44% من
القادرين على العمل.
ووفقا
لدراسات فلسطينية فثمة تشبع كامل لسوق العمل
في بعض التخصصات النظرية -التي تشكل غالبية
الخريجين- وهي الآداب والعلوم والتربية،
بينما يعاني من شح في تخصصات أخرى مثل التقنية
المعلوماتية.
المسئولية
على الجميع
الدكتور
خليل نخلة مدير عام الجودة والاعتماد في
وزارة التعليم العالي الفلسطيني، يعترف أن
نوعية التخصصات في الجامعات الفلسطينية تعيش
حالة انقطاع مع احتياجات السوق.
ويشير
إلى أن المسئولية في هذا الأمر مشتركة بين
المجتمع والمؤسسات التعليمية والخريجين
أنفسهم الذين يخطئون في اختيار التخصص
المناسب، حيث يسعى بعضهم وراء التخصصات
اللامعة، من دون معرفة حجم حاجة المجتمع لها.
ويقول
المسئول التعليمي: "على الطالب أن يسأل
نفسه: ماذا يريد بالضبط قبل الالتحاق
بالدراسة الجامعية؟ هل يريد الحصول على وظيفة..؟
إذا كانت الإجابة نعم، فعليه أن يبحث جيدا،
فهل إذا درس هذا التخصص سيتمكن من الحصول على
فرصة عمل".
وحول
أسباب اعتماد وزارة التعليم العالي للكثير من
التخصصات النظرية التي لا يجد خريجوها عملا،
قال د. نخلة: إن الوزارة اضطرت لاعتماد
الكثير من التخصصات في الجامعات كرزمة واحدة
بعد اعتمادها من قبل اتحاد الجامعات العربية،
بدون تقييم لهذه التخصصات.
لكنه
قال مستدركا: نحن بدأنا في برنامج لخمس سنوات
لنبدأ تقييم كل التخصصات القائمة حاليا،
والتخصصات الجديدة وتقييمها بشكل منهجي،
وأكد أن جزءا أساسيا من عملية التقييم كان مدى
علاقتها مع احتياجات السوق.
الحل
في التطبيقية
يقترح
د. نخلة على الطلاب الراغبين في الحصول على
فرصة عمل من وراء الدراسة الجامعية التفكير
بشكل جدي في التخصصات التطبيقية (الدبلوم)؛
وذلك بسبب النقص الكبير في هذا المجال.
ورأى
أن الدراسة التي تقود إلى عمل مباشر، هي
الدراسة التطبيقية في كليات المجتمع المهنية،
حيث إن فرص العمل لا تحتاج بالضرورة إلى
شهادات بكالوريوس أو ماجستير.
وشدد
على أن المستقبل سيكون لخريجي علوم المجتمع
الذين يجب أن ترتفع نسبة خريجيهم ضعفين أو
ثلاثة أضعاف في السنوات العشر القادمة. ولكنه
طالب بضرورة تحسين نوعية الدراسة، بحيث ترتبط
بالمهارات التي يحتاجها السوق؛ وذلك نظرا
لشكوى أرباب العمل من أن الخريجين لم يتعلموا
في الجامعات ما يحتاجه العمل.
لكن
يبدو أن الصورة ليس وردية حتى في مجال
الدراسات التطبيقية، فيقول الدكتور يحيى
السراج عميد كلية علوم المجتمع المهنية
والتطبيقية بغزة: إن الكليات التطبيقية
والمهنية تحاول أن تجسر الفجوة بين حاجة
السوق وبين التخصصات العلمية الموجودة، من
دون أن تدعي أن كل خريجيها يجدون فرص عمل، وإن
كانت نسبة كبيرة منهم تنجح في ذلك.
ويطالب
السراج بأن تجتمع المؤسسات الحكومية
والتعليمية والمجتمعية باستمرار وبشكل دوري
كي تشجع الطلاب على اختيار التخصصات التي من
الممكن أن توفر فرص عمل أكبر، وأن تبتكر
تخصصات يحتاجها المجتمع، وأن تحاول تطوير
التخصصات الموجودة كي تلبي حاجة المجتمع.
واسطة
ومحسوبية
الدكتور
يوسف رزقة أستاذ اللغة العربية يرى أن
المشكلة عامة لا تخص خريج جامعة أو كلية معينة،
فهناك خريجو طب وهندسة عاطلون عن العمل..
نحتاج لحل قومي، حل تديره السلطة التي تدير
البلد. أما د. عرفات المنياوي مدرس الشريعة
الإسلامية فيشير في ذات الوقت إلى ظاهرة
الواسطة والمحسوبية في تعميق أزمة بطالة
الخريجين.
فيما
يقول د. نعيم بارود الأستاذ الجامعي: إن
مشكلة بطالة الخريجين عامة ويعاني منها الوطن
العربي كافة، وسببها عدم وجود موازنة بين
حاجة السوق والتخصصات الموجودة.
ويضيف:
"في الغرب يدرسون حاجة السوق وبناء على ذلك
يقبلون الطلبة في التخصصات، لكن نظرا لغياب
التخطيط السليم وانتشار التخطيط العشوائي في
المؤسسات والكليات والوزارات تتخبط الطلبة
في اختيار التخصصات".
وبشكل
عام، فإن الخبراء الفلسطينيين يتفقون على أن
الخروج من مأزق بطالة الجامعيين لا يقتصر على
مجرد إصلاح التوازن بين التخصصات وسوق العمل،
ولكن أيضا بزيادة قدرة اقتصاد قطاع غزة على
إيجاد فرص عمل، خاصة بعد انسحاب الاحتلال من
القطاع.