 |
|
عمال التراحيل قضية تحتاج لاهتمام من منظمات المجتمع المدني
|
مع
انتهاء صلاة الفجر، يبدأ عم عبد المنعم سعيد
-48 عاما- عمله اليومي، فينطلق إلى شارع
الجنينة بجوار ميدان العتبة بالقاهرة، حاملا
معه أدوات رزقه، ويصطف بجوار زملاء مهنته،
وعينه على السيارات نصف النقل القادمة على
أول الطريق فقد يكون معها الرزق.
في
السابعة صباحا تظهر السيارة المنتظرة
وبداخلها أحد مقاولي الأنفار، وبمجرد هبوطه
من السيارة يلتف حوله 50 عاملا من عمال
التراحيل والمعمار، فيتحدث المقاول عن طبيعة
العمل المطلوب، سواء أكان حفر قواعد أساس
لأبنية جديدة أو هدم خرسانة لأبنية قديمة، أو
معاونة عمال البناء والمعمار...الخ، ويحدد
مكان العمل سواء داخل القاهرة أو في إحدى
المدن الجديدة وعدد أيام العمل والأجر.
يبدأ
العدد يقل من حول المقاول، خاصة الشباب الذين
يرون أن الأجر المعروض لا يناسب المجهود
المطلوب، وقد يحاول البعض رفع الأجر، وتستمر
عملية التفاوض حتى يتفق الطرفان وتبدأ عملية
الاختيار من بين الواقفين، أو يجري العمال
على سيارة المقاول الذي يصرخ فيهم قائلا: "عاوز
عشرة بس.. الباقي ينزل"، ولا يستجيب أحد
فيختار المقاول بنفسه الأقوى والأرخص، وقد
يبتسم الحظ فيوافق المقاول على عم عبد المنعم
وقد يرفضه لكبر سنه.
برنامج
عمل ثابت
يقول
عم عبد المنعم لـ"إسلام أون لاين.نت": "أعمل
منذ أكثر من 20 عاما في هذه المهنة، لم أتعلم
مهنة أو حرفة، مهنتي في قوتي وذراعي، خرجت من
قريتي بمحافظة أسيوط (جنوب مصر) مع والدي
للعمل في المعمار بالقاهرة.. أحمل مواد البناء
وأصعد بها الأدوار المختلفة، وكبرت وتزوجت
وأنجبت من الأبناء خمسة ولم يتغير برنامجي
اليومي".
لكنه
يشكو من هذه الأيام حيث تقل حركة البناء
والتشييد؛ فالعمل لا يتعدى أسبوعا في الشهر
كله، وهو يتقاضى يوميا ما بين 10 و25 جنيها
مصريا حسب العمل المطلوب وكمية مواد البناء
المراد رفعها، أو كمية مخلفات البناء المراد
التخلص منها.
ويحدد
عم عبد المنعم مواصفات عامل التراحيل بقوله:
إن هذه المهنة تعتمد على القوة البدنية
للعامل؛ لذا تجد أن دخل الشاب فيها أكثر من
دخل الأكبر سنا؛ وهو ما يجعل الحال تزداد سوءا
مع مرور الأيام، لأن المقاولين يبتعدون عن
اختيار كبار السن خاصة في حالة العمل لفترة
طويلة خارج القاهرة.
أما
من هم في سنه فيعتمدون على العمل السريع
والبسيط مثل بناء دور أو ترميم شقة، حتى
يستطيع أن يطعم أولاده.
ويزداد
هذا العمل في فترة الصيف أثناء إجازة
المصريين العائدين من الخارج حيث يرغب معظمهم
في بناء أو ترميم منازلهم، وفي الأيام
العادية يقتصر العمل على نقلات خفيفة للأفراد
الذين يجددون منازلهم، وليتها دامت -كما يقول
عبد المنعم- فالحال من سيئ إلى أسوأ، حتى إن
كثيرا من العمال بدءوا يتركون المهنة ويبحثون
عن طريق آخر يطعمون به أولادهم؛ فهناك من يعمل
ببيع الخضار بالسوق، والبعض تشبث بحلم السفر،
خاصة الشباب صغير السن.
المرأة
في مهنة المعمار
ولأن
هذه المهنة لا تشترط تعليما أو مهارة دخلتها
النساء الفقيرات أيضا، إلا أنهن لم يستمررن
كثيرا، فتقول زينب عبد الغني 27 عاما: "عملت
بمهنة المعمار 5 سنوات مع والدي وعدد من فتيات
القرية، فكان التجمع اليومي بأحد ميادين
الجيزة يبدأ في السادسة صباحا حيث تنقلنا
سيارات المقاول الذي نعمل لحسابه".
وتتابع
قائلة: "العمل يبدأ من السابعة والنصف
صباحا، حتى الرابعة عصرا يتخلله ساعة ونصف
للغداء في مقابل جنيهين يوميا، زاد أجري مع
مرور الأيام حتى بلغ 7 جنيهات عام 1998، أي نصف
أجر الرجل وقتها تقريبا".
ومع
انتشار خلاطات البناء انخفض عدد العاملين في
البناية الواحدة من 20 إلى 5 عمال، كان النساء
أول من تم الاستغناء عنهن؛ لذا فمن النادر أن
ترى المشهد القديم لعاملات البناء وهن يحملن
مواد البناء ويصعدن بها الأدوار المختلفة.
تزوجت
زينب في سن العشرين من عامل تراحيل أيضا،
وأنجبت 3 أطفال، ولكنها لم تبتعد عن المهنة
كثيرا؛ حيث تقوم اليوم بعمل الشاي لعمال
التراحيل في نفس الميدان الذي يتجمعون فيه كل
صباح.
وهي
تشعر باستقرار وانتظام في العمل أكثر منهم؛
حيث إن عملها مستمر طوال الشهر، بعكس الوضع
معهم. وتقول: "عملي من صنع الشاي للعمال في
الشارع يكسبني 3- 5 جنيهات مصرية، ويزيد إلى 20
جنيها بعد بيع المناديل الورقية وأشياء أخرى...".
العمالة
غير المنتظمة
مشكلة
عمال التراحيل أنها ظاهرة لم تخضع للدراسة
الكافية، رغم انتشارها في ربوع مصر وخاصة في
شريحة الفقراء القادمين من الصعيد للبحث عن
عمل بالقاهرة.
وتشير
إحدى الدراسات القليلة في هذا المجال أجراها
المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية
في عام 1997 إلى أن المرأة جزء من العمل غير
المنتظم، وقد اضطرت المرأة للعمل ضمن عمال
التراحيل تحت ضغط الحاجة.
وتضيف
الدراسة أن نسبة وجود المرأة في مهنة "التراحيل"
وصلت إلى 8%، وهو رقم كبير؛ لأن المهنة رجالية،
وتزيد نسبة أمية النساء في هذا القطاع على 95%،
وتتراوح ساعات العمل ما بين 8 و12 ساعة يوميا.
ويرى
البعض أن ظاهرة عمال التراحيل مرشحة اليوم
للتفاقم مقارنة بوقت إجراء الدراسة، لا سيما
في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية في مصر؛
فوفقا للمؤشرات الرسمية خلال عام 2004 فإن معدل
البطالة يصل إلى 10.5%، أما الفقر فيصل نسبته
إلى 17%، كما لا يتجاوز دخل الفرد في مصر 1200
دولار سنويا، وهذه المؤشرات تقول المعارضة
إنها تجميلية، وإن حقيقتها هي الضعف.
وفي
هذا السياق، يقول السيد داود رئيس النقابة
الفرعية للبناء والتشييد بالشرقية: إن عمال
التراحيل جزء من العمالة غير المنتظمة في
مجال المعمار، لا تتوفر عنهم أي معلومات أو
بيانات دقيقة لدى أي جهة رسمية، كذلك الحال مع
عمال التراحيل في الزراعة والصيد، والذين
يطلق عليهم عمال الأرزقية.
ويضيف
داود أن علاقة عمال التراحيل بنقابة البناء
والتشييد تكاد تنعدم حيث لا يلجأ إلينا
العامل إلا في حالة رغبته في توقيع أوراق
رسمية، ويقول إن الدولة تحاول مد مظلتها
الصحية والتأمينية على عمال التراحيل، من
خلال عمل لقاءات معهم لإقناعهم بضرورة
التأمين عليهم ضمن عمال المقاولات بمقابل 10
جنيهات شهريا، وتصرف للعامل 150 جنيها في حالة
الوفاة والعجز والشيخوخة.
أما
طريقة التأمينات فتتمثل في ضرورة الحصول على
شهادة قياس مهارة بـ100 جنيه من النقابة التابع
لها تحدد فئته (مساعد – عامل – صنايعي ماهر)
ليتم تحديد التأمينات على أساسها (10– 12 – 15
جنيها شهريا). غير أن عددا من عمال التراحيل
ينتقد هذه الإجراءات التي لا يعرفها
غالبيتهم، ومن يعرفها منهم يراها مكلفة ماليا
لهم، لا سيما أن أجر بعضهم قد يصل إلى 10 جنيهات
يوميا بالكاد، كما أن الدولة لا تحميهم.
التأثر
بقطاع البناء
ولأن
مهنة المعمار هي الغالبة على عمال التراحيل؛
لذا فهم تأثروا بالتدهور الذي حدث في قطاع
البناء في مصر خلال الأعوام الأخيرة، لا سيما
أنهم الطرف الأضعف في هذا القطاع، حيث يقدر
البعض عددهم بحوالي نصف مليون نسمة من إجمالي
5 ملايين يعملون في هذا القطاع.
وفي
هذا الصدد، يقول هشام مصطفى رئيس شعبة
الاستثمار العقاري باتحاد الغرف التجارية: إن
صناعة البناء والتشييد تراجعت في السنوات
العشر الأخيرة لعدة أسباب، منها قرار الحاكم
العسكري بوقف البناء على الأراضي الزراعية
والركود الاقتصادي الذي تعاني منه مصر منذ
عدة سنوات.
كما
ساهم في تدهور هذا القطاع أيضا ارتفاع أسعار
مواد البناء (الحديد، الأسمنت، الرمل...) والذي
وصل لحد الأزمة في بعض الأحيان؛ فعلى سبيل
المثال ارتفع سعر حديد التسليح من 1200 جنيه إلى
3500 جنيه بمعدل 300% في عام واحد (2004)، واستمر في
الزيادة والتذبذب بين الصعود والهبوط حتى عام
2005؛ مما تسبب في زيادة تكلفة المتر المسطح من
المباني إلى 80% مما كان عليه في ديسمبر 2002.
إن
عمال التراحيل في مصر يحتاجون إلى حماية،
وإلى ظهر يؤمن لهم سبل العيش الكريم، خاصة في
مرحلة الكبر، ولعله من المهم أن يضع بقوة
المجتمع المدني المصري هذه القضية على
أجندته، لحماية هؤلاء العمال الذين لا أمنية
لهم في حياتهم إلا أن يكونوا آمنين في رزقهم.
اقرأ
أيضا:
"أيزو"
للباعة الجائلين..!
"السيرور"
المغربي.. حرفة المهمشين