|
الأزمة
التي يعاني منها الاقتصاد الإسرائيلي
الآن تعتبر الأعنف منذ عقد من الزمان،
ومظاهر هذه الأزمة بادية جليًّا
للعيان، فالركود يكاد يكون سمة شاملة
لكافة قطاعات هذا الاقتصاد، وحسب تقرير
قامت به شركة "بيزنيس داتا أوف
إسرائيل" في نهاية عام 2001م -المتخصصة
في فحص أوضاع القطاعات الاقتصادية
المختلفة في الدولة العبرية- تبين أنه
من أصل 32 قطاعًا في الاقتصاد
الإسرائيلي، فإن قطاعين فقط تعتبر
أوضاعهما مستقرة.
إلى
جانب ذلك فقدت الحكومة السيطرة على
المحافظة على النسبة التي حددتها للعجز
في ميزانية الدولة للعام 2001م؛ إذ بلغت
قيمة العجز ما يعادل خمسة مليارات
دولار؛ وذلك بسبب زيادة نفقات الدولة.
وللوقوف على أسباب الأزمة التي يعاني
منها الاقتصاد الإسرائيلي ومظاهرها
فإننا نشير إلى ثلاثة محاور هامة.
الانتفاضة..
العجز الأكبر
فقد
حدَّدت حكومة شارون نسبة 1.75% كنسبة عجز
في الميزانية يتوجب المحافظة عليها
لضمان تحقيق مستوى نمو متصاعد للاقتصاد
الإسرائيلي. لكن حكومة شارون وجدت نفسها
مضطرة لكسر إطار الميزانية؛ لأنها وجدت
لزامًا عليها زيادة الميزانية المخصصة
لكل من وزارتي الدفاع والأمن الداخلي؛
وذلك لتمويل متطلبات مواجهة انتفاضة
الأقصى، التي فرضت زيادة مقدارها مليار
دولار لميزانية وزارة الدفاع وحدها في
العام 2001م، وكلما تواصلت الانتفاضة
زادت الحاجة لتخصيص موارد مالية لوزارة
الدفاع المسؤولة عن الجيش، أي أن العجز
مرشح للازدياد مع نهاية عام 2002م.
أيضًا
تواصل الانتفاضة خلق نتائج سلبية جدًّا
على قطاعات الاقتصاد الإسرائيلي
المختلفة، فمثلاً أدى تدهور الأوضاع
الأمنية إلى إحجام أعداد كبيرة من
السياح عن القدوم لإسرائيل، حيث يخشى
السياح على حياتهم؛ بسبب استهداف قلب
المدن الإسرائيلية بالعمليات
الاستشهادية، ويكفي أن نشير هنا إلى أنه
لم يصل لإسرائيل أكثر من مليون سائح عام
2001م مقارنة بـ2.67 مليون سائح عام 2000م،
وذلك من أصل 3.1 ملايين سائح توقعت وزارة
السياحة الإسرائيلية وصولهم لإسرائيل
في العام 2000م، لكن بسبب الانتفاضة لم
يصلوا.
وقد
ترك هذا أثره على عمل الفنادق؛ إذ تم
إغلاق 30 فندقًا تضم 2700 غرفة، وتتوقع
وزارة السياحة إغلاق المزيد من
الفنادق، إلى جانب تسريح عدة آلاف عامل
من عمال الفنادق وموظفي شركات السفر.
وقد
وجدت الانتفاضة تأثيرها في الحركة عبر
المعابر البرية، حيث تشير سلطة
المطارات والمعابر الحدودية
الإسرائيلية أن الحركة عبر المعابر
تقلصت بنسبة 68% منذ اندلاع الانتفاضة.
وحتى النزهات المدرسية التي تنظمها
المدارس في إسرائيل قد تقلصت إلى 60%، حيث
إن أولياء أمر الطلاب الإسرائيليين لا
يبدون استعدادًا لإرسال أولادهم في
رحلات قد لا يرجعون منها سالمين. كل هذا
أدى إلى خسائر في قطاع السياحة تزيد عن
ملياري دولار.
الانتفاضة
أدت إلى إلحاق ضربة كبيرة بقطاع البناء
والعقارات في إسرائيل، فعزوف اليهود عن
الاستقرار في المستوطنات اليهودية في
الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس أدى إلى
تراجع نسبة بيع الشقق في 2001م إلى 11% حسب
بيانات وزارة الإسكان والبناء
الإسرائيلية، وأثَّر ذلك الوضع سلبًا
على الصفقات العقارية التي تتم داخل
الأراضي المحتلة في 1948م، فحسب بيانات
اتحاد المقاولين الإسرائيليين فقد
تراجع عدد الصفقات العقارية بنسبة 18%.
لكن
الانتفاضة وجدت أكثر تعبيراتها قسوة
على الاقتصاد الإسرائيلي في تراجع
الاستثمارات الأجنبية في إسرائيل،
فالمستثمرون الأجانب سارعوا إلى ترك
إسرائيل؛ بسبب عدم استقرار الأوضاع
الأمنية.
ويكفي
هنا أن نقارن بين حجم الاستثمارات
الأجنبية التي كانت في النصف الأول من
العام 2000م الذي لم يشهد أي من مظاهر
الانتفاضة، والنصف الأول من العام 2001م،
ففي النصف الأول من العام 2000م، بلغت
الاستثمارات الأجنبية 11.34 مليار دولار،
لكنها تراجعت في النصف الأول من عام 2001م
لتصل إلى 3.43 مليارات دولار فقط. وهذا ما
عمق ظاهرة الركود في الأنشطة
الاقتصادية في إسرائيل، والذي انعكس
سلبًا على كافة قطاعات اقتصادها.
وكان
للانتفاضة أيضًا تأثيرها في انخفاض
معدل تصدير البضائع الإسرائيلية لمناطق
السلطة الفلسطينية؛ إذ انخفض التصدير
بنسبة 45%، بينما انخفضت نسبة الاستيراد
بـ 19%.
أزمات
الاقتصاد العالمي
كأحد
تجليات العولمة فإن الاقتصاد
الإسرائيلي يتأثر بشكل كبير باقتصاديات
العالم الخارجي، على الأخص شريكه
الأساسي، الاقتصاد الأمريكي. وقد وجدت
أزمة صناعة التقنيات المتقدمة في
الولايات المتحدة انعكاساتها السلبية
على صناعة التقنيات المتقدمة في
إسرائيل، حيث تعتبر أحد القطاعات
الواعدة في الاقتصاد الإسرائيلي، وهو
ما أدى إلى انخفاض الاستثمار في هذه
الصناعات بنسبة 12% خلال عام 2001م.
لكن
هناك مشكلة أخرى ساهمت في الإضرار بقطاع
الصناعة بشكل خاص في إسرائيل وهو عدم
قدرة الكثير من المنتجات الصناعية
الإسرائيلية على المنافسة في الأسواق
العالمية؛ بسبب ارتفاع تكلفة الإنتاج
بفضل زيادة معدلات أجور العمال في
إسرائيل، وارتفاع أسعار المواد الخام
المستخدمة في الصناعة. وهذا أدى بدوره
إلى فقدان الكثير من المصانع
الإسرائيلية لأسواقها في العالم.
وقد
تراجع الإنتاج الصناعي بنسبة 2.6% خلال
عام 2001م، حسب بيانات اتحاد أرباب
الصناعة الإسرائيلي، وقد أسفر هذا
الواقع عن إغلاق العديد من المصانع
الكبرى في إسرائيل، وقد ترافق ذلك مع
فقدان سبعة آلاف من عمال المصانع لأماكن
عملهم.
كما
تعرّض قطاع الصناعة في إسرائيل إلى ضربة
كبيرة؛ إذ إن الاتحاد الأوروبي أعلن في
2001م أنه لن يمنح إعفاءات جمركية
للمنتجات الإسرائيلية التي مصدرها
مصانع قائمة في المستوطنات الإسرائيلية
في الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة
الجولان. وقد أدى ذلك إلى إغلاق 10% من
المصانع في مستوطنات وسط وشمال الضفة
الغربية، كما أن 30% من المصانع هناك
أوقفت أعمالها، هذا مع أن 30% من السكان
في المنطقة يتعيّشون على العمل في هذه
المصانع.
ثقافة
بطالة!
وقد
أدى الركود في المرافق الاقتصادية إلى
تفاقم البطالة في إسرائيل والتي لا تنتج
بسبب انعدام فرص العمل، بل لأن
الإسرائيليين لا يقبلون العمل في كثير
من قطاعات الاقتصاد التي تتطلب جهدا
بدنيا، مثل: قطاع البناء، والزراعة،
والصناعات غير التقنية، وهذا ما دفع
شارون إلى أن يقول إنه في إسرائيل تسود
"ثقافة بطالة"!.
اللافت
للنظر أن كل عاطل عن العمل في إسرائيل
يتلقى شهريًّا مبلغا يعادل 450 دولارًا،
هذا مع أن البطالة تبلغ 8.6% من مجمل القوى
العاملة في إسرائيل، بكلمات أخرى فإن
خزينة دولة الاحتلال تدفع تسعمائة
دولار شهريًّا لعائلة لا يعمل فيها
الزوج أو الزوجة.
أما
معدلات النمو فقد تراجعت بشكل كبير، ففي
حين كان معدل النمو لعام 2000م 2.1 % (بدلاً
من 4.5% توقعها بنك إسرائيل المركزي في
بداية العام) لم يتجاوز 1% عام 2001م.
وبالإجمال،
فالأزمة الاقتصادية التي تولدت جراء
الانتفاضة ومشاكل الاقتصاد العالمي إلى
جانب البذخ في سن القوانين الاجتماعية
ذات الطابع الانتخابي، قلَّصا قدرة
الحكومة الإسرائيلية على القيام بعدد
من المشاريع الاقتصادية ذات الطابع
الإستراتيجي، مثل مشاريع إسكان لحل
مشكلة السكن بالنسبة لعشرات الآلاف من
المهاجرين الجدد الذين حتى الآن يعيشون
في ظروف صعبة. وكذلك مشروع إعمار النقب
والعمل على تحقيق تفوق ديموغرافي يهودي
في منطقة الجليل.
ولولا
المساعدات المالية الأمريكية السخية
لدولة الاحتلال إلى جانب الضمانات
المالية التي تقدمها الإدارات
الأمريكية المتعاقبة لتمويل الكثير من
الأنشطة الاقتصادية الهامة لانهار
الاقتصاد كلية. وما لا يختلف عليه اثنان
هو أنه في حال تواصل الانتفاضة فإن أزمة
الاقتصاد الإسرائيلي ستتعمق بشكل أكبر
وأخطر.
اقرأ
أيضًا:
|