|
يعاني
الاقتصاد الإسرائيلي من تخبط شديد من
جراء الصدمات المتلاحقة للانتفاضة
الفلسطينية التي تحولت إلى حرب إبادة من
جانب جيش الاحتلال للقضاء عليها، ويوما
بعد يوم يتأكد أن الفلسطينيين يفرضون
تحديا مزدوجا لحكومة شارون، فإلى جانب
حرب الاستنزاف الأمنية والسياسية التي
يتعرض لها الكيان الصهيوني جاء النزيف
الاقتصادي ليزيد خنق الاقتصاد العبري.
وقد
دفع هذا التحدي مدير عام الدفاع
الإسرائيلي (عاموس يارون) لطلب مبالغ
إضافية على الميزانية المقررة للأمن
تقدر بـ 3 مليارات شيكل كما جاء في صحيفة
يديعوت أحرونوت 10 إبريل 2002، ولكن شارون
اضطر للاكتفاء بتخصيص مبلغ 400 مليون
دولار فقط؛ لأن الوضع الاقتصادي لا يسمح
بأكثر من ذلك، خصوصا أن العجز في
ميزانية الدولة العبرية ككل وصل إلى 2.45
مليار شيكل!
وكانت
الحكومة الإسرائيلية قد خصصت نحو 30% من
ميزانياتها للإنفاق على الجيش والشرطة
لمواجهة الانتفاضة، وهو ما كان له أثر
سلبي على قطاعات أخرى كانت تتمتع بنصيب
أكبر من الميزانية، ورغم ذلك فلم يفلح
شارون في وقف الانتفاضة رغم إعلانه
الحرب، وبلغت فاتورة الأمن 6 ملايين
شيكل (1.28 مليون دولار).
وقد
كشف "سيلين شالوم" وزير المالية
الإسرائيلي أن الانتفاضة كلفت إسرائيل
28.7 مليار شيكل، وأنها التهمت أكثر من 5%
من الناتج المحلي الإسرائيلي بما يعادل
24 مليار شيكل، بالإضافة إلى 4.7 مليارات
شيكل موجهة للإنفاق الأمني ضد
الانتفاضة. الآن بعد مرور 18 شهرًا على
الانتفاضة فإن الخسائر أفدح والفاتورة
التي تدفعها إسرائيل تزداد وإن لم يعلن
عن خسائرها الإجمالية حتى الآن.
البطالة
خسائرها مزدوجة
وتعد
خسائر الانتفاضة على المستوى الاجتماعي
أفدح؛ حيث أدت إلى رفع نسبة البطالة إلى
11%؛ فهناك 75 ألف عامل خسروا وظائفهم داخل
إسرائيل بسبب غلق مشروعات أو توقفها،
وإذا علمنا أن كل عاطل في إسرائيل يتلقى
شهريا مبلغ 450 دولارًا لأدركنا مدى
العجز الذي يمكن أن تتحمله الحكومة
الإسرائيلية من جراء الانتفاضة فهي
تخسر عمالة وبالتالي إنتاج وفي نفس
الوقت تدفع أموالا إضافية لكل عاطل جديد.
وبالإضافة
لذلك خسرت تل أبيب 125 ألف عامل فلسطيني
كانوا يعملون في البناء والنظافة
والزراعة بمبالغ مالية زهيدة، خصوصا أن
المواطن الإسرائيلي لا يفضل العمل في
هذه المجالات، وقد عمق مشكلة البطالة
استدعاء الاحتياطي الإسرائيلي فقد صدّق
وزير الدفاع الإسرائيلي على استدعاء
عشرة آلاف من جنود الاحتياط بالإضافة
إلى عشرين ألفا آخرين.
وتبلغ
تكلفة استدعاء 20 ألف جندي احتياطي نصف
مليار شيكل شهريا، ولا يشمل هذا المبلغ
تكلفة أيام العمل التي سيفقدها جنود
الاحتياط أو المبالغ التي ستدفعها
مؤسسة التأمين الوطني لمن يعملون، لقاء
الأجور التي ستدفع لجنود الاحتياط. ومن
المتوقع أن تصل هذه التكلفة إلى 7 ملايين
شيكل (54.1 مليون دولار) يوميًا، أي 200
مليون شيكل (6.41 ملايين دولار) شهريًّا،
وسيتم تمويلها من ميزانية الدفاع. أما
التكلفة غير المباشرة التي ستُخصص
لتفعيل القوات المجندة فتصل إلى 10
ملايين شيكل (2 مليون دولار) يوميًّا، أي
300 مليون شيكل (62.4 مليون دولار) شهريًّا-وفقا
لصحيفة "يديعوت أحرونوت".
انقلب
السحر على صاحبه
ولا
تقتصر الخسائر على النواحي العسكرية أو
الاجتماعية فقط، ولكنها تنعكس على صورة
الدولة العبرية في الخارج، ومن ثم تحول
الكثير من السياح عنها، وتحول الشركات
والاستثمارات حتى إن أحد الخطوط
الملاحية الكورية الصينية حول مسار
بواخره من الترانزيت في حيفا إلى بور
سعيد المصرية مع تصاعد الانفجارات في
حيفا.
وكان
قطاع السياحة أكثر المتضررين حيث لم يصل
إسرائيل أكثر من مليون سائح عام 2001
مقارنة بـ 2.67 مليون سائح عام 2000، وفي
العام الحالي 2002 حدث ولا حرج مما ترك
أثره على إغلاق 30 فندقا على الأقل
وتسريح آلاف العمال.
بل
إن قصف حزب الله لبعض مناطق شمال فلسطين
المحتلة في أوائل إبريل 2002 دفع قوات
الاحتلال لترحيل 2000 سائح من الشمال في
دلالة على انتهاء السياحة في إسرائيل
خلال العام الحالي.
ووصل
الأمر لأن يترك الإسرائيليون أنفسهم
الدولة العبرية، فإذا كان أحد أهداف
شارون من الحملة الشرسة التي يشنها
حاليا ضد الشعب الفلسطيني هو إجباره على
الرحيل خارج أرضه فقد انقلب السحر على
الساحر، وأدت الانتفاضة لنتائج عكسية،
حيث كشف تقرير – بثه التليفزيون
الإسرائيلي مساء 10-2-2002– اتساع ظاهرة
الهجرة المضادة من إسرائيل في أعقاب
تردي الأوضاع الأمنية والاقتصادية،
وأعلن التقرير إلى أن أكثر من 4000
إسرائيلي هاجروا العام الماضي (2001م) إلى
كندا وحدها، فضلا عن آلاف آخرين غادروا
إسرائيل إلى مختلف أرجاء العالم بحثا عن
الهدوء والمستقبل، وهذا عن أرقام العام
الماضي فماذا عن أرقام العام الحالي غير
المعروفة بدقة مع تحول الانتفاضة لحرب
وتعدد العمليات الاستشهادية؟!
الهجرة
خطر على كيان إسرائيل
ويؤكد
د.محمد النجار-أستاذ الاقتصاد بتجارة
بنها جامعة الزقازيق- أن عدد المهاجرين
منذ بداية الانتفاضة وصل إلى حوالي
مليون إسرائيلي، ويرى أن ذلك يشكل خطرا
كبيرا على الكيان الصهيوني؛ فهؤلاء
المهاجرون يمثلون حوالي سدس سكان
إسرائيل، كما أنهم مختارون من أرقى
المستويات التعليمية. ويؤكد أن فاتورة
هجرة هؤلاء يدفعها الاقتصاد الإسرائيلي
من تقدمه، كما أن هذه الهجرة المستمرة
مع استمرار تدهور الأوضاع الأمنية مع
استمرار الانتفاضة تخلق حالة من عدم
التوازن بين أعداد اليهود وأعداد
الفلسطينيين الذين يحاول حكام إسرائيل
على اختلافهم زيادته لصالح اليهود،
ويهدد الوجود الصهيوني بأكمله.
هرب
رؤوس الأموال للخارج
ويرى
د.محمد النجار أن حالة اختلال القوى بين
الفلسطيني والإسرائيلي حل محلها حالة
توازن الرعب، فأمام الآلة الحربية
الإسرائيلية المدمرة مواطن فلسطيني
يتمنى الشهادة، وهو ما يقذف بالرعب في
صدر المواطن الإسرائيلي ويؤثر على
إنتاجيته، وهذا ما يؤكده استطلاع للرأي
أجراه اتحاد الصناعات الإسرائيلي شمل 213
مصنعا؛ حيث تبين أن 41% من هذه المصانع
انخفضت إنتاجيته وأن 35% من المصانع
استغنى عن المزيد من العمال، فيما سجل
الناتج الصناعي تراجعًا بنسبة 10.4 % في
يونيو من عام 2001م عن مثيله في العام
السابق قبل اندلاع الانتفاضة.
ويتضح
هذا الرعب بشكل واضح في ارتفاع نسبة
تهريب رؤوس أموال المستثمرين إلى
الخارج؛ حيث بلغت إيداعات الإسرائيليين
خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة كأفراد
وليس شركات مبلغ نصف مليار دولار بمعدل
شهري 160 مليون دولار، حسب تصريح "دافيد
كلاين" محافظ بنك إسرائيل المركزي
لصحيفة (يديعنوت أحرنوت) في 16-4-2002م،
وتراجعت الاستثمارات الأجنبية من 11.34مليار
دولار في النصف الأول من عام 2000 إلى 3.43
مليارات دولار فقط في النصف الأول من
عام 2001 كما جاء في صحيفة معار يف
الإسرائيلية.
المقاطعة
الأوروبية
وبالرغم
من رفض الاتحاد الأوروبي توصية
البرلمان الأوروبي بتعليق اتفاقية
الشراكة الاقتصادية مع إسرائيل بسبب
عدوانها على الفلسطينيين، فإن الأمر
ألقى بظلاله على الاقتصاد الإسرائيلي،
فظهرت العديد من صور المقاطعة لاسرائيل
على مستوى الأفراد والشركات الأوروبية،
فقد ألغت شركة دانماركية صفقة مع شركة
"راد يكس" الإسرائيلية-العاملة في
مجال التكنولوجيات العالية –بسبب ما
وصفته الشركة بالتصرف الفظ للجيش
الإسرائيلي. كما أوقفت بعض خطوط الملاحة
العالمية تعاملاتها مع إسرائيل؛ حيث
أكد فتحي المر – مدير قطاع الحاويات
بمحطة حاويات بور سعيد- أن الخط الملاحي
(يانج مينج لاين) تعاقد مع المحطة لنقل
البضائع من جنوب شرق آسيا إلى أوروبا
والعكس مستخدما ميناء بور سعيد المصري
كمركز ترانزيت بديلا عن ميناء حيفا
الإسرائيلي في (17-4-2002) وهو ما يشير إلى
استمرار الخسائر يوما تلو يوم.
إنقاذ
ما يمكن إنقاذه
ولمواجهة
هذه الأخطار الاقتصادية على إسرائيل
دار الجدل بين المحللين الاقتصاديين
الإسرائيليين حول كيفية تخطي هذه
الظروف الاقتصادية الصعبة، وكانت أهم
الاقتراحات هي:
1-
زيادة الضرائب: حيث ذكرت صحيفة (يديعوت
أحرونوت) في 14-4-2002 أن وزارة المالية
الإسرائيلية تدرس إمكانية رفع ضريبة
القيمة الإضافية من 17% حاليا إلى 20%،
وتدرس رفع ضريبة الدخل وضريبة الأغنياء
التي يدفعها أصحاب الدخل الأعلى من 22
ألف شيكل، ورفع الضريبة المفروضة على
الهواتف الخلوية وعلى السجائر.
2-
تقليص الإنفاق: حيث طلب مصرف إسرائيل من
الحكومة تقليص الميزانية بمقدار 12
مليار شيكل من مصاريف الحكومة باستثناء
وزارة الدفاع.
3-خفض
الأجور: إذ إن هناك اتجاها بوزارة
المالية الإسرائيلية لخفض الأجور
وتقليص حجم الميزانيات الخاصة
بالقوانين الخاصة، وتحديدًا لقانون
النقب وقانون العائلات كثيرة الأولاد.
ولكن
(دافيد كلاين)-محافظ البنك الإسرائيلي-
يرى أن هناك تخبطا من جانب الحكومة
الإسرائيلية لمواجهة آثار الانتفاضة
الاقتصادية، ويحذر من رفع الضرائب في
الوقت الراهن؛ لأنها خطوة تتناقض مع هدف
إنعاش الحالة الاقتصادية وزيادة أماكن
العمل؛ حيث إنها تقلل من الادخار الذي
هو عماد الاستثمار الذي بدوره أساس
التنمية.
ويرى
أن تخفيض الميزانية يؤثر على النمو
الاقتصادي بالسلب، بالإضافة إلى أنه
يرفض تخفيض الأجور؛ لأن ذلك يمكن أن
يؤدي إلى ضغط اقتصادي على المواطن
الإسرائيلي، وهو ما يزيد من أعداد
المهاجرين، وكل ذلك يعبر عن حالة التخبط
التي تواجهها الحكومة الإسرائيلية
لمواجهة آثار الانتفاضة الاقتصادية على
إسرائيل، وهو ما جعل الحكومة
الإسرائيلية تحاول تحميل السلطة
الفلسطينية الخسائر التي تكبدها
الاقتصاد الإسرائيلي نتيجة الانتفاضة
فطالبتها بمبلغ 7 مليارات دولار، مدعية
أنها خسائر لقطاع السياحة ولإسرائيليين
تم تدمير ممتلكاتهم في تفجيرات
استشهادية، في محاولة منها للاستيلاء
على مستحقات السلطة الفلسطينية لديها
التي تقدر بحوالي 5.1 مليارات دولار
كمتأخرات من عائدات الضرائب والرسوم
الجمركية؛ حيث تحصل إسرائيل الرسوم
الجمركية وبعض الضرائب من المواطنين
الفلسطينيين، ولكنها تقتسم عائداتها مع
السلطة الفلسطينية بموجب اتفاق باريس
في إبريل 1994.
الدعم
اليهودي الخارجي
ولكن
رغم كل هذه الآثار الاقتصادية الضارة،
فما هو سر صمود الاقتصاد الإسرائيلي حتى
الآن؟
لغز
صمود الاقتصاد الإسرائيلي كما يرى د.
محمد النجار أستاذ الاقتصاد يكمن في
الدعم اليهودي والأمريكي؛ حيث إن
الجالية اليهودية في أمريكا وعددها 5
ملايين يهودي يملكون أن يعوضوا
الاقتصاد الإسرائيلي عن كل خسارة أضعاف
مضاعفة.
حيث
تحصل الحكومة الإسرائيلية من الجهات
اليهودية المختلفة من مختلف بلدان
العالم على ما يقرب من 12 مليار دولار
سنويا حسب تصريحات – محمد عويس –
مستشار الخصخصة للسلطة الوطنية
الفلسطينية لصحيفة العالم اليوم 13-4-2002م،
بل يتضح بشكل أكبر مساحة الانحياز
الأعمى لإسرائيل من قبل المشرعين
الأمريكيين عندما أعلن أعضاء بارزون في
مجلس النواب الأمريكي في 18-4-2002 أنهم
سيطلبون معونة طارئة لاسرائيل قيمتها 200
مليون دولار دعما لها لمواجهة ما أسموه
بالإرهاب الفلسطيني.
ولكن:
ما هو الحل لكسر هذا الصمود للاقتصاد
الإسرائيلي؟!
يقول
د. أحمد السيد النجار- خبير بمركز
الدراسات السياسية والإستراتيجية
بالأهرام-: رغم أن الأزمة الاقتصادية
التي فجرتها الانتفاضة في إسرائيل يمكن
أن تضر عددا كبيرا من الأعمال
الإسرائيلية، فإن تأثير ذلك على الموقف
الإسرائيلي السياسي غير قوي؛ لأن
إسرائيل لا تتخذ قراراتها الإستراتيجية
المتعلقة بالتسوية تحت وطأة الضغوط
الاقتصادية، وما زالت قادرة على حل
أزماتها الاقتصادية بالتعاون مع أمريكا
والغرب من خلال طوفان المساعدات التي
تتدفق عليها منها، والمساعدات التي
يقدمها لها اليهود. إذن فالحل لا يكمن في
المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل فقط بل
قطع مورد الدعم عنها، سواء من خلال:
1-
الضغط على أمريكا ودول الغرب بالمقاطعة
لكل ما هو أمريكي وصهيوني.
2-
تفعيل دور اللوبي العربي في الدول
الغربية وأمريكا للضغط على حكوماتها من
أجل الضغط على إسرائيل.
3-
ولكن يجب أن يصاحب المقاطعة لكل ما هو
صهيوني وأمريكي حملة إعلامية واسعة
تبين للعالم الغربي والأمريكي أن شعوبه
هي التي دفعت العرب والمسلمين لاتخاذ
هذا القرار؛ لأنها تساهم بمساعداتها
وسلاحها لإسرائيل في ارتكاب أفظع
الجرائم ضد الشعب الفلسطيني الأعزل.
ويرى
أحمد السيد النجار أيضا أن مقاطعة السوق
الفلسطينية للاقتصاد الإسرائيلي مهمة
جدا حيث إن السوق الفلسطينية تمثل ثاني
أكبر سوق مستورد للسلع الإسرائيلية بعد
أمريكا حيث يستورد الفلسطينيون منها
سنويا سلع قيمتها 2 مليار دولار.
4-
والأهم من ذلك كله أن يتم قرار المقاطعة
بشكل جماعي في صورة قرارات ملزمة تصدر
سواء من منظمة الدول الإسلامية وجامعة
الدول العربية لا بقرارات فردية كما نرى
حاليًا.
|