 |
|
الدروس الخصوصية ..فتحت باب رزق للعاطلين
|
لم
تعد مهنة التدريس في عدد من الدول العربية
مقصورة على خريجي الكليات التربوية؛ بل
زاحمهم في هذا المجال أبناء التخصصات الأخرى
من كليات الهندسة والعلوم والتجارة، حينما
وجدوا أنفسهم سيبقون طويلا يطرقون أبواب
العمل دون جدوى.
وفي
قطاع غزة حيث يرتفع معدل البطالة إلى 40% وفقا
لتقرير البنك الدولي في 2004.. قررت ثلة من
الخريجين أن تخرج من عباءة المعيشة الصعبة؛
فوجدت الحل في إعطاء الدروس الخصوصية لطلبة
المدارس.
وساعد
هؤلاء الخريجين على ذلك ظروف الاحتلال
الإسرائيلي الذي تغلَق مع إغارته بعض المدارس،
فضلا عن ضعف المستوى التعليمي في المدارس
الرسمية؛ وهو ما يجعل الطلاب يلجئون للدروس
الخصوصية، التي تتساهل معها السلطات
الفلسطينية بسبب هذه الظروف.
مدرس
بدرجة مهندس
الشاب
الفلسطيني أحمد سراج الذي أنهكه البحث في
الحصول على وظيفة تلائم مؤهله كخريج لكلية
الهندسة عام 2001.. وجد ضالته في الدروس
الخصوصية، خاصة تعليم اللغة الإنجليزية التي
أتقنها أثناء دراسته في الجامعة؛ حتى إن
أبناء الجيران كانوا يلجئون له لمساعدتهم في
هذه المادة الدراسية.
ويصف
سراج -الملقب بـالمدرس المهندس- ظروف التحاقه
بهذا النوع من الأعمال قائلا: "كنت أخجل بعد
تخرجي في كلية الهندسة أن أطلب مصروفي من أبي،
وجاءت هذه الدروس نجدة من الله لي، ولكن الأمر
ليس بهذه السهولة كما يتصور البعض".
ولا
يتعدى مقابل الحصة التي تستمر ساعة واحدة 30
شيكلا (الدولار= 4.3 شيكلات) بحسب سراج، لكنه
يشير إلى أن "الخريج المتميز والمتمكن جدا
لا يستطيع أن يُدرّس أكثر من تسع حصص في
الأسبوع".
ويرجع
ذلك للأسباب التالية:
أولا: الخريج لا يكون قد ألمّ بعدُ بطرق التدريس،
وكيفية توصيل المعلومة للطلبة؛ فهذا الأمر
يحتاج إلى دورات وإلى خبرة من الزمن.
ثانيا: الدروس الخصوصية لا تنشط في كل أيام الدراسة،
بل تزداد في موسم الامتحانات، وبعض الطلبة لا
يلجأ لها إلا في العطلة المدرسية.
ثالثا: الطلبة وأولياء أمورهم لا يتقبلون في البداية
فكرة تدريس الخريج بل يبحثون عن مدرس ذاع صيته
في هذا المجال.
وهناك
عوامل عدة تؤثر في عدد الدروس وزيادة العائد
المادي، منها -حسب سراج- نوع المادة التي يتم
تدريسها؛ فمن يدرس مادتي اللغة الإنجليزية
والرياضيات يختلف عن الذي يدرس موادَّ أخرى؛
فجل طلبة غزة يعانون من الإنجليزي والرياضيات.
كما
أن طبيعة المرحلة الدراسية تفرض نفسها على
سعر الحصة؛ فسعرها لطالب الثانوية العامة بـ40
شيكلا، وأحيانا 50، فضلا عن ذلك فإن الحصة
الواحدة لو حضرها طالب واحد فسوف يدفع المبلغ
كاملا، أما إذا حضرها عدة أشخاص فستقسم عليهم
جميعا.
نصيحة
مجرب
ولا
تختلف قصة أحمد عن الشابين: سامي خريج العلوم،
ولينا خريجة الرياضيات اللذين امتهنا الدروس
الخصوصية ليصل متوسط دخلهما في العام إلى ما
بين 1000 و2000 دولار تقريبا، وقد اتفق الشبان
الثلاثة عن عدد من النصائح لأي شاب في غزة
يريد العمل في الدروس الخصوصية:
1-
أن يكون على ثقة بأن البداية ستكون صعبة، ولكن
بمزيد من الإصرار والتحدي سيواصل مشواره،
وألا يلتفت إلى كم الحصص، بل إلى الكيفية التي
ستزيد من الكم.
2-
تنجح هذه الدروس في دورات جماعية للطلبة،
وليس على انفراد؛ لأن تفاعل المجموعة
وتساؤلاتها تجعل المدرس على دراية بما يريده
الطلبة، وتقدم له التشجيع والأفكار التي
تعينه على المضي قدما.. ولكن بشرط ألا تزيد
المجموعة عن خمسة أفراد.
3-
على الخريج بذل جهد كبير حتى يضمن النجاح؛
فعليه سؤال المدرسين العاملين في سلك التدريس
والاستفادة من خبراتهم، وأن يذهب لحضور دورات
في كيفية التدريس والتعامل مع الطلبة.
4-
كسب ثقة الطلبة من أهم العوامل التي تساهم في
بناء قاعدة راسخة للمدرس وإعطائه رصيدا من
الشهرة والإقبال. وكسب الثقة يأتي إذا كان
قادرا على توصيل المعلومة بسلاسة ووضوح،
إضافة إلى شخصيته التي يجب أن تتميز بالحضور
القوي الممزوج بالمرح والتلقائية.
5-
الدراية التامة بفحوى منهج المادة التي
يدرسها الطلبة في مدارسهم حتى يقوم الخريج
بفهم ما سيعطيه لطلبته.
خبرة
25 عاما
غير
أن المدرسين ذوي الخبرة في هذا المجال يرون
الأمور ليست سهلة؛ فحمدي راشد مدرس الرياضيات
الذي يعطي الدروس الخصوصية منذ أكثر من 25 عاما
يقول: "ليس كل شخص مؤهلا للاستمرار في مهنة
الدروس الخصوصية، ومن سيحكم عليه بالمواصلة
هم الطلبة الذين سيقدم لهم كل ما لديه من
خبرات".
وأشار
إلى أنه يقوم بتدريس مادة الرياضيات، وقد
قارن بين الدروس الخصوصية الآن وفي السابق؛
فأوضح قائلا: "بالطبع الأمر اختلف سواء من
حيث العائد المادي أو من حيث الاهتمام من قبل
الطلبة وأولياء الأمور.. الآن الجميع يتهافت
نحو الدروس الخصوصية.. الطالب المتفوق قبل
الضعيف، وباتت ظاهرة منتشرة في فلسطين وكافة
المجتمعات العربية، وذلك أمر طبيعي بسبب عدد
السكان وكثرة عدد الطلاب في الفصل، وتدهور
التعليم الرسمي".
شبكة
علاقات
وبالنسبة
للنصائح المستقاة من خلال تجربته الطويلة
خاطب الأستاذ راشد من بدأ حديثا في هذه المهنة،
فأشار إلى أن الأمر "صعب في بدايته للمدرس
الذي تعلم فنون التدريس؛ فكيف بنا ونحن أمام
خريج ربما كان تخصصه لا يمت لكليات التربية
بصلة؟ هنا يبدو الأمر كأنه اختبار حقيقي".
وأضاف:
"في البداية يجب أن تكون لدى الخريج شبكة
علاقات اجتماعية من خلالها يستطيع الإعلان عن
نفسه؛ فهو يمثل هنا جانب العرض، وسيبيع
خدماته، والطلبة هم جانب الطلب، ووجود وسيط
قوي لديه المعلومة الجيدة عن الأستاذ سيساهم
في زيادة الطلب بفاعلية".
وأكد
في عدة نقاط على أمور يجب أن يراعيها الخريج،
من شأنها أن ترفع من أسهم شعبيته وشهرته
وبالتالي زيادة دخله، وهي:
1-
على الخريج أن يتحلى بالإخلاص والأمانة التي
ستزيد من عمق رسالته؛ فالإخلاص والرغبة
الصادقة في التدريس سيُشعر الطلبة بأن الذي
أمامهم جاد بإعطائهم الدرس.
2-
قدرته على التعرف على اختيار أسلوب التعليم
المناسب، وذلك من خلال حضور دورات المعلمين
والاستفسار ممن لديهم الخبرة.
3-
اختيار المكان والزمان المناسبين للتعليم؛
فالجو النفسي له بالغ الأثر في إنجاح هذه
الدروس وتفاعل الطلبة.
شخصية
المدرس
ونوه
راشد إلى ضرورة توافر الكفاءة العلمية للمدرس،
التي تأتي من الدراسة الجيدة المتواصلة
لمادته وفهمها، وعليه أيضا أن يستعين
بالوسائل المساعدة الحديثة، وقد أيد نظام
المجموعات في الحصة لأنه من الأساليب الناجحة
مقارنة بالدروس الفردية لما في المشاركة من
تفاعل وتبادل للمعلومة والرأي.
غير
أنه شدد على ضرورة فصل المدرس للمجموعات
المتفوقة عن نظيرتها المتوسطة أو الضعيفة؛
فما يصلح للمتفوق لا ينطبق على الضعيف، ومن
هنا تأتي فائدة هذه الدروس وتميزها عن الحصة
الدراسية في المدرسة.
وأضاف:
"شخصية المدرس لها بالغ الأثر؛ فتمتعه بروح
الفكاهة إضافة إلى ثقافته وإلمامه بمادته
وحبه طلبته والتعرف على جوانب ضعفهم وتقديم
كل ما هو جديد ونافع لهم سيزيد من شعبيته
ويكتب له القبول".
نجاح
علمي واقتصادي
من
جانبه شدد الأستاذ الدكتور أسامة المزيني
المحاضر بكلية التربية بالجامعة الإسلامية
بغزة على ضرورة تحقيق الخريج الذي يزاول مهنة
الدروس الخصوصية نجاحا علميا مقابل نجاحه
الاقتصادي.
وأضاف:
"تقديم ما يحتاجه الطالب هو الذي سيكتب
النجاح لهذا المدرس؛ فما الفائدة إذا كان
المدرس غير مدرك للمادة التي سيدرسها، مجرد
ناقل للمعلومة الموجودة في الكتاب، طالبه
الضعيف لا يتحسن مستواه والجيد عنده لا يتفوق؟!
كلنا يعلم أن المدرس الذي مارس التعليم سيكون
مدركا لما سيعطيه وكيفية التعامل مع الطلبة،
وهو أمر لا ينطبق على كثير من الخريجين".
وختم
حديثه بالقول ناصحا: "من يجد في نفسه القدرة
على المواصلة في هذا الطريق يجب أن يطور من
قدراته؛ فعلى الأقل عليه أن يسأل أهل الخبرة
عن نقاط الضعف التي يعاني منها، كما عليه أن
ينتسب لبرامج التقوية وإثراء الكفاءة
العلمية والتسجيل في دورات تأهيلية ليحدد
بعدها هل هو مؤهل لتكملة المشوار أم لا".
اقرأ
أيضًا: