 |
|
شعار منظمة التجارة العالمية
|
يبدو
أن العرب قد جبلوا على عدم الاتفاق، وأصبحت
القاعدة الأساسية التي تحكم طبيعة توجهاتهم
في كل القضايا هي "الاتفاق على عدم الاتفاق"..
هذا الكلام لا أقوله متشائمًا من الحالة
المتردية التي وصل إليها العرب في كل
المجالات، ولكن ما دفعني إلى قوله هو ما
شاهدته خلال ورشة العمل التي أقامتها شبكة
المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية
الأسبوع الماضي لمناقشة موضوع "الأثر
الاقتصادي والاجتماعي للاتفاقيات التجارية
على مصر، في ضوء ما توصل إليه اجتماع هونج
كونج الأخير (13 - 18 ديسمبر 2005)".
فقد
كان من المفترض أن تبلور هذه الورشة أهم
السلبيات الخاصة باتفاقية منظمة التجارة
العالمية لوضع إستراتيجية عربية لمواجهة هذه
السلبيات، ولكن للأسف لم يحدث ذلك فما حسبه
البعض من السلبيات، اعتبره البعض الآخر
إيجابيات، وبالتالي لم تتوحد اتجاهاتهم،
فكان من الطبيعي أن تكون نتيجة الورشة "صفر".
أول
القصيدة
ولأن
"الجواب يظهر من عنوانه"، كما يقال في
الأمثال، فقد كانت بدايات الورشة تشير إلى ما
ستئول إليه في النهاية، فبينما كان الموعد
المعلن لبدء الورشة هو الثانية عشرة ظهرًا
تأخرت لمدة نصف ساعة بدعوى انتظار د. أحمد
جويلي الأمين العام لمجلس الوحدة الاقتصادية
العربية الذي كان من المفترض أن يرأس أولى
جلسات الورشة.
ولكن
ما حدث أن د. جويلي اعتذر عن عدم الحضور لترأس
الجلسة نيابة عنه د. نجلاء الأهواني
الأستاذة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية،
جامعة القاهرة والتي قالت إنها جاءت لتستمع
للنقاش ففوجئت أنها رئيسة للجلسة.
وحرصت
د. نجلاء قبل أن تفتتح أعمال الجلسة -أو إن شئت
الدقة قل: "أعمال المعركة"- على أن تؤكد
على حقيقة أن التجارة هي القماشة التي يتفصل
منها العالم؛ ولذلك يجب على الدول النامية أن
تستوعب كل الأمور المتعلقة بها، حتى لا يسرق
الزمن منها، وفي هذا الإطار لا بد أن يظهر
الدور التنموي للجمعيات الأهلية التي ينبغي
أن تعطي لهذا الدور أهمية خلال المرحلة
المقبلة، ولا تركز فقط على الجانب الرعائي
المعني بتقديم المساعدات وغيره من الأنشطة
الاجتماعية.
بداية
هادئة
وكأي
معركة تكون دائمًا البداية فيها هادئة، وهذا
ما حدث بعد انتهاء د. نجلاء من كلمتها
التمهيدية، حيث أعطت الكلمة لزياد عبد
الصمد رئيس شبكة المنظمات العربية غير
الحكومية للتنمية الذي قال: إن هذه الورشة
تأتي في سياق برنامج تنظمه الشبكة حول
التجارة العالمية وتأثيرها على المجتمعات،
وقد سبق إقامة ورش بالبحرين والمغرب، ونخطط
حاليًّا لإقامة ورش شبيهة بلبنان، وبعض
البلدان العربية الأخرى، وهدفنا من ذلك هو
بلورة دور يمكن أن يلعبه المجتمع المدني
العربي في مواجهة التحديات التي تفرضها
اتفاقية التجارة العالمية.
ثم
تحدث عن أهم التحديات التي تواجهنا في هذا
الإطار، فأشار إلى قطاعين هامين، وهما قطاع
الخدمات والزراعة، فأكد على رفضه لما كان
معروضًا في هونج كونج من ضرورة وجود تحرير
كامل للخدمات، مشيرًا إلى أهمية أن تكون هناك
صحوة لحماية هذه الخدمات؛ لأنها شديدة الصلة
بحياة المواطن كخدمات الصحة والتعليم
والمياه والطاقة.
أما
ما يتعلق بقطاع الزراعة، فقد تناول قضية دعم
الصادرات، وأشار إلى أن المنتجات الزراعية
العربية تواجه تنافسًا حادًّا بسبب المنتجات
مرتفعة الدعم، وخصوصًا في الاتحاد الأوربي
والولايات المتحدة واليابان، وشجع عبد الصمد
في هذا الإطار الموقف الذي اتخذته مصر وعدد من
الدول خلال اجتماعات هونج كونج للمطالبة برفع
دعم الصادرات.
أعيرة
نارية
إلى
هنا انتهى كلام زياد عبد الصمد، ثم ظهرت على
عينيه علامات الإرهاق؛ لأنه عائد لتوِّه من
هونج كونج، بينما بدأ د. أحمد غنيم الأستاذ
المساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية
حديثه الذي جاء كأعيرة نارية تنسف كل ما جاء
بحديث زياد.
فأكد
على أنه من أشد المعارضين لموقف مصر الذي
يتبنى مطالبة الدول الأوربية برفع دعم
الصادرات؛ لأن مصر وما يقرب من ثلثي الدول
العربية من الدول المستوردة للغذاء،
وبالتالي فإن رفع الدعم سيؤدي إلى ارتفاع
فاتورة الواردات، ولن تستفيد مصر من ذلك، إلا
في سلعتين فقط، هما القطن والأرز من الدول
الرئيسية المصدرة لهما.
ثم
أطلق عيارًا آخر من النوع الثقيل، عندما قال
إنه مع تحرير الخدمات لخدمات الاتصالات
والتعليم والصحة، وذلك بشرط وجود جهة رقابية
تحمي المستهلك وتحقق مصلحته.
وأضاف
أن تحقيق ذلك سيعود بالفائدة على المستهلك؛
لأن معنى أن تكون هناك جهة أجنبية تنافس
الحكومة في تقديم الخدمة، فإن ذلك سيعمل على
وصول الخدمة بسعر أفضل للمستهلك، بدلاً من أن
تأخذ الحكومة أموال المستهلكين ولا تقدم لهم
خدمة جيدة.
هجوم
شرس
كان
من الطبيعي وفقًا لما هو مُعَد سلفًا أن يتحدث
د. رءوف حامد من هيئة الرقابة على الأدوية،
بعد د. غنيم عن رؤيته للقضية، ولكن الرؤى غير
التقليدية التي أثارها د. غنيم كان من الطبيعي
أن تقابل بهجوم من الحاضرين للورشة، وهو ما
أجل كلمة د. رءوف، وإذا كانت عيون الحاضرين قد
توجهت لزياد الذي نسفت كل أطروحاته، إلا أن
حالة الإرهاق التي بدا عليها قد شجعت الجمهور
الحاضر ليقوم بهذا الدور. وعبثًا حاولت د.
نجلاء رئيسة الجلسة أن تؤجل هذا الهجوم إلى ما
بعد كلمة د. رءوف، ولكن الجمهور أصر على الرد
الفوري.
فقالوا
للدكتور غنيم كيف تقبل أن تتدخل جهات أخرى في
خدمتي التعليم والصحة -مثلاً- وذكروه بخطورة
ذلك؛ لأن مصر وغيرها من الدول العربية لا تملك
أي ميزة تنافسية في هذا الإطار، فلو اجتمعت -مثلاً-
كل الشركات الوطنية المعنية بصناعة الدواء
لإقامة معمل بمواصفات معمل شركة فايزر
الأمريكية للأدوية فلن تستطيع!!
ثم
كيف تضمن قيام الجهة الرقابية التي دعوت إلى
إنشائها بواجبها في حماية المستهلك، فنحن في
مصر -مثلاً- لم نستطع إجبار المدارس الأجنبية
على أن تقبل الرسوم الدراسية بالجنيه المصري
وقت أزمة الدولار، كما لم نستطع إجبارها على
الاهتمام بمقررات اللغة العربية والدين،
فكيف ستقوم الجهة الرقابية التي قلت عنها
بواجبها؟
أما
ما يتعلق بالجانب الخاص بدعم الصادرات، فصحيح
أن رفع الدعم سيزيد ثمن السلعة، ولكن في
المقابل فإن الإبقاء عليه سيجعل المنتجات
الزراعية العربية تواجه تنافسًا حادًّا لن
يكون في صالحها، وسيؤثر ذلك على قطاع الزراعة
الذي يعمل به نسبة كبيرة من المواطنين،
وبالتالي فإن المواطن لن يجد عملاً في بلده
حتى يشتري السلعة الرخيصة التي ستتوفر مع
الإبقاء على دعم الصادرات، فمن الأفضل لنا أن
نتحمل الزيادة في السعر عن أن يفقد المواطن
عمله.
دفاع
فوري
لم
ينتظر د. غنيم -أيضًا- د. رءوف ليبدأ في حديثه،
ثم يعقب على ما جاء في هجوم الجمهور الحاضر
للورشة، بل أراد أن يكون دفاعه فوريًّا عن
آرائه، فقال لمنتقديه: أنتم تتحدثون عن خدمات
قد حررت في الواقع على أرض مصر، فالمدارس
الأجنبية، وكذلك المستشفيات وشركات الأدوية
موجودة بالفعل في مصر وتمارس أنشطتها.
وبالتالي
أنتم تجادلون في قضية قد حسمت سلفًا.. وبخصوص
ما جاء في حديثي عن دعم الصادرات، فكان من
الأفضل لكم أن تطالبوا الحكومات التي تتبنى
اتجاه المطالبة برفع دعم الصادرات أن توجد
لمنتجاتها ميزة تنافسية كاستخدام تكنولوجيات
جديدة لوسائل استخدام المياه، وتشجيع طرق
استخدام كميات أقل من المياه، وذلك قبل أن
تنادوا بذلك؛ لأنها لو لم تفعل ذلك فلن تجد
منتجاتها سوقًا خارجية، وسيحدث خلل كبير بين
الصادرات والواردات.
محاولة
للتهدئة
أخيرًا،
تمكن د. رءوف أن يحصل على حقه في الحديث.. فجاءت
كلمته في البداية كمحاولة لتهدئة القاعة ف
قال إنه سعيد بأن الرؤى غير تقليدية التي
طرحها د. غنيم قد أتاحت له ولغيره من الحاضرين
أن يستمعوا للآراء المضادة التي استثيرت من
تلك الرؤى. ولكنه شدد على ضرورة ألا يخرج هذا
الاختلاف عن القاعدة المعروفة والتي تقول بأن
الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.
ثم
حاول د. رءوف بعد ذلك أن يقوم بالتعليق على ما
جاء في الحديثين السابقين، فقال إنه ليس مع ما
جاء في آراء د. غنيم من أن تحرير الخدمات سيخفض
السعر، بل على العكس فإنه يرى أن ذلك التحرير
في قطاع كقطاع الصحة سيؤدي إلى رفع سعر
الأدوية، صحيح أن ذلك لن يظهر في الأدوية
القديمة والتي تقوم الدول النامية بمحاولة
إنتاج شبيهة لها قبل انقضاء مدة السماح التي
أعطتها لها المنظمة.
ولكن
سيظهر التأثير الواضح والأكيد في الدواء
الجديد الذي سيكون سعره مرتفع بلا شك.. ولذلك
فإن الحل أن نهتم بالبحوث والتطوير لرفع
إمكانياتنا في إنتاج الأدوية، ولن يتحقق ذلك
إلا إذا تعاونت الشركات الوطنية فيما بينها،
فلو تعاونت ستتمكن من أن تنافس (فايزر) التي
ادعى أحد المشاركين أن كل الشركات الوطنية لا
يمكنها إنشاء معمل واحد في إمكانيات معامل (فايزر)،
فالمشكلة أن ذلك لم يحدث، ولا توجد
إستراتيجية حكومية واضحة لتحقيقه.
سلاح
المواجهة
يتضح
من كلام د. رءوف أن نقاط الالتقاء بين
المتحدثين تكاد تكون مفقودة، وبالتالي انعكس
ذلك على الجلسة الثانية في الورشة والتي كانت
مخصصة لوضع إستراتيجية وآلية لتحرك منظمات
المجتمع المدني لمواجهة آثار اتفاقية
التجارة الحرة المعروفة بالجات.
ورغم
عدم الاتفاق الذي ظهر واضحًا بالورشة على
إيجابيات وسلبيات الاتفاقية، فإنه فتح
طريقًا لمناقشة قضية عدم الاتفاق في حد
ذاتها، ولماذا لم نصل لرأي موحد بشأن
إيجابيات وسلبيات الاتفاقية حتى نقوم بإعداد
سلاح المقاومة لمواجهتها.
وجهت
هذا السؤال للدكتور محمد يوسف عميد كلية
التجارة جامعة القاهرة فقال:
إن
المشكلة في مصر والدول العربية مشكلة
معلومات، فالبيانات المعلنة عن بعض الصناعات
غير دقيقة، وبالتالي لا توجد ملامح قاطعة
لحصر المشاكل أو المزايا المرتبطة بتأثير
الاتفاقية على تلك الصناعات.
ولكن
من وجهة نظره، فقد قال الدكتور يوسف علينا ألا
ننشغل كثيرًا بهذه القضية؛ لأن ما حدث حدث،
وهذه الاتفاقية أصبحت أمرًا واقعًا. وإنما
علينا أن نهتم بأمرين:
الأول:
هو دراسة أسواق الآخرين حتى نعرف القيود التي
تفرضها أسواقهم، وبالتالي نستخدمها أثناء
اجتماعات مناقشة بنود الاتفاقية ولا نكون
مجرد متلقين، فمثلاً في الولايات المتحدة لا
يستطيع أي بنك أجنبي ممارسة نشاط دون الخضوع
لضريبة فيدرالية وهذا يناقض بنود الاتفاقية.
أما
الأمر الثاني: فهو تشجيع الاتفاقيات
التجارية؛ لأنها تفتح أسواقًا للمنتج المصري
والعربي، وبالتالي فنحن في هذه الحالة نحارب
الجات بنفس سلاحها، وفي هذا الإطار يشيد
الدكتور يوسف باتفاقية أغادير الموقعة بين
مصر والأردن وتونس والمغرب، واتفاقية
التجارة الحرة مع أمريكا التي ستوقع خلال
شهرين.
الاستيعاب
أولاً
ونفس
السؤال طرحته على د. عبد المطلب عبد الحميد
الأستاذ بأكاديمية السادات للعلوم الإدارية
الذي قال: إن مشكلتنا الأساسية أننا ما زلنا
عاجزين عن فهم بنود الاتفاقية، وبالتالي لم
نتفق على الإيجابيات والسلبيات، فأنا أعرف أن
حكومة عاطف صدقي رئيس الوزراء الأسبق كانت
تختلف فيما بينها في وصف الإيجابيات
والسلبيات تمامًا كما حدث بالورشة.
وهذا
الوضع سببه -كما يقول د. عبد الحميد- أن فريق
التفاوض الذي يذهب لمناقشة بنود الاتفاقية لا
يوجد بينه أي تنسيق، ولا يحدث بينهم أي
اجتماعات قبل السفر يتفقون خلالها على مساحات
للاتفاق بينهم، سيكون نتيجة ذلك أن كل منهم
يطرح رؤية تختلف عن الآخر.. والحل من وجهة نظري
هو إعداد وفد مفاوضات على أعلى درجة من
التنسيق ويحدث بينهم اجتماعات من حين لآخر كي
تذوب مساحات الاختلاف، ولكن إذا لم يحدث ذلك
فسيظل الاختلاف قائمًا.
اقرأ
أيضا: