 |
|
الحذر مطلوب في التعامل مع توصيات منتديات البورصة
|
تمثل
المنتديات أحد أساليب التفاعل والتحاور بين
الأفراد على الويب بخصوص قضية معينة. ولأن
البورصة أضحت ضمن يوميات المواطن العربي؛ لذا
فقد امتدت تلك المنتديات إلى أسواق المال
العربية، لتؤثر على قرار المستثمرين تجاه
شراء أو بيع سهم معين أو التناقش حول بيانات
مالية بشأن شركات يتم التداول عليها.
لكن
هناك سلبيات اعترت هذه المنتديات، بما يدفع
للقول بأنها أصبحت جزءا من التطور التكنولوجي
لنظرية المؤامرة على سهم ما في سوق المال سواء
برفع أو خفض سعره.
ومن
أبرز تلك السلبيات هيمنة قلة من ذوي المصالح
عليها ومن المحترفين الذين قد يبثون معلومات
غير صحيحة. وهنا قد يظن المتعامل -متوهما- مع
المنتدى أنه حقق أسبقية في معرفة وتوقع
اتجاهات التعامل في البورصة، بما يجعله يحقق
عوائد استثنائية أو يتجنب خسائر متوقعة. ورغم
أن قليلا ما يصدق ذلك فإنه يمكن الاعتقاد من
خلال المتابعة اليومية لهذه المنتديات بأنه
كثير أيضا ما لا يحدث.
ويعزز
انسياق بعض المستثمرين وراء توقعات منتديات
البورصة، الخصائص السلبية للتعامل في أسواق
المال العربية، مثل: ضخامة الفوائض النقدية
السائلة بصورة مفاجئة، وعدم حدوث تطور مواز
على مستوى معرفة محددات قرار الاستثمار، فضلا
عن سريان ثقافة المضاربة، وجني الأرباح في
أقل وقت ممكن.
ولأنه
لا يمكن تعميم نظرية المؤامرة على كل منتديات
البورصة، لذا فإننا نرى أن على المستثمر
التعامل بحرص وحذر مع توصيات المنتديات التي
يحكمها عدد من الخصائص الأساسية، نعرضها في
السطور القادمة، حتى يضعها المستثمر في
اعتباره عند تعامله مع المنتديات.
اختزال
اتخاذ القرار
الأصل
في اتخاذ قرار الاستثمار في البورصة هو تفاعل
العديد من المحددات والعناصر، منها ما يتعلق
بالمتغيرات الكلية للدولة التي يتم تناول
بورصتها في المنتدى، أو تلك المتعلقة
بالخصائص المالية والأساسية للشركة التي يتم
فتح النقاش حول سهمها.
ويفترض
أن متخذ القرار يرتب عملية التقييم بصورة
مرحلية منطقية تدريجية، حتى ينتهي ذلك إلى
قرار موضوعي لقيمة السهم، فعلى سبيل المثال،
إذا قام بتقييم سهم شركة تعمل في نشاط النقل
للأفراد أو للبضائع، فعليه أولا أن يتفهم
المحددات العامة الحاكمة لهذا النشاط، ثم
ينتقل إلى استعراض التطور المالي للقوائم
المالية لتلك الشركة.
وبعد
ذلك يدور الحوار حول التناسب ما بين سعر السهم
المتداول، ومؤشرات القطاع نفسه، بحيث ينتهي
الأمر إلى آراء يفترض أن تكون متكاملة بصورة
كبيرة حتى وإن اختلفت جزئيا، ولكن دائما أساس
الحوار هو تحليل الظواهر والمؤشرات بأساس
منطقي تتابعي غير موجه أو انفعالي.
وعلى
النقيض من ذلك، فالمتتبع لحوارات منتديات
البورصة حول سهم بعينه، يلاحظ أن أغلب النقاش
يكون شبه مختزل وقاصرا ويركز على متغير واحد،
بل الأسوأ من ذلك أن البعض من المتحاورين لا
يربطون بين السهم الذي يتم النقاش عليه وأسهم
أخرى قد تكون مرتبطة به.
وعلى
سبيل المثال، قد يعلن أحد منتديات البورصة أن
شركة ما في مجال الاتصالات قد حققت نموا في
إيراداتها بنسبة 80% مثلا عن 6 أشهر، ويكتفي
بتناول الأمر على هذا الجانب دون أن تستكمل
عملية التحليل لنفهم دلالة ذلك على ربحية
السهم، ومن ثم مستقبل الشركة، وهل هذا النمو
استثنائي مؤقت أم دائم، وهل مصدره إيرادات من
النشاط الفعلي أم مجرد مصدر عارض... إلخ.
من
هنا، فيلاحظ أن تلك المنتديات تتعامل مع
التحولات العامة أو الخاصة التي ترتبط
بالأسهم والبورصات بصورة قاصرة مختزلة، وبما
لا يترتب على ذلك الانتهاء إلى تحليل وتوصية
موضوعية وسليمة.
اعتماد
التحليل الفني فقط
يلاحظ
أن غالبية منتديات البورصة في تناولها لتقييم
الأسهم بين روادها تعتمد بصورة جوهرية على
التحليل الفني، وهو أسلوب يعتمد في جوهره على
التنبؤ بسعر السهم، على أساس الاعتماد على
تحليل الحركة التاريخية له، من خلال دراسة
الرسوم البيانية التي توضح ذلك، أو باستخدام
مؤشرات لهذا الغرض.
والأصل
في استخدام أساليب التحليل الفني، هو تواجده
في أسواق ذات كفاءة مالية مناسبة، فيها من
يقوم بعملية التقييم على أسس ومناهج التحليل
المالي والأساسي للشركات صاحبة الأسهم
المتداولة، بحيث هناك دائما من يتخذ قرار
الاستثمار بناء على موضوعية التناسب بين سعر
السهم ونتائج الأعمال.
ويستفيد
المحلل الفني من تلك الكفاءة في استخدام
المؤشرات والرسوم الفنية بحيث أنها تنقل له
رؤية السوق التحليلية المالية، دون الحاجة أن
يقوم ببذل نفس الجهد والمعاناة التي يقوم بها
المحلل المالي. ومن هنا، فالأصل في إدارة
عملية التداول في البورصة هو تفاعل وتكامل
أساليب التقييم، سواء كانت مالية أساسية أو
فنية.
وتعتبر
سيادة أساليب التحليل الفني في سوق غير كفؤة
ولا تلقي بالا لأساليب التحليل المالي
والأساسي أحد أهم أسباب حدوث الانهيارات
والتقلبات السعرية الحادة في بورصات الأوراق
المالية، وهو ما أكدته وقائع الأحداث
التاريخية في كافة البورصات العريقة، فكلما
ابتعد السوق عن اتباع التحليل المالي واقتصر
على استخدام التحليل الفني، فإن ذلك ينبئ
بقرب حدوث الانهيار.
والملاحظ
أن منتديات البورصة تعتمد في عمليات التقييم
للأسهم على التحليل الفني فقط، وذلك لسهولته،
ولأنه يناسب حب المضاربة، وسرعة تحقيق العائد
التي أصبحت سمة تعززها تلك المنتديات،
وبالتالي فهي تدعم العوامل التي تدفع السوق
إلى التقلب الحاد والسريع، دون النظر للمصلحة
العامة.
ثقافة
الاستثمار قصيرة الأجل
يفترض
أن قرار الاستثمار في البورصة هو متوسط وطويل
الأجل، بمعنى أن تدرس الاستثمار في الأسهم
التي يتوقع مستقبلا أن تحقق توزيعات أرباح
لأسهمها تتناسب مع بدائل الاستثمار الأخرى
محدودة المخاطر مثل عوائد الاستثمار في
البنوك الإسلامية. يضاف إلى ذلك، عائد إضافي
يمتص مخاطر الاستثمار المتوقع أن تحدث نتيجة
انخفاض سعر السهم في المستقبل مقارنة بسعره
عند الشراء.
وفي
هذه الحالة، يفترض انتهاء تلك العملية بتوقع
عائد مناسب يمكن تحقيقه سنويا من خلال
احتفاظك بهذا السهم، ولكن دون أن يمنع ذلك أنه
إذا حدث ارتفاع لسعر السهم -قبل انتهاء فترة
الاستثمار التي كنت تنوي انقضاءها- وبما
يساوي العائد المتوقع الذي كنت ترغب فيه،
فإنه يمكنك بيع السهم في الأجل القصير، ولكن
يفترض أن الأساس المحدد لقرار الاستثمار في
البورصة -في بدايته- هو الاستثمار في الأجل
الطويل.
واللافت
أن تلك المنتديات يحرص أغلب من يشارك فيها على
البحث عن الآراء التي تجعله يسارع في
المضاربة والاستثمار بفترات زمنية قصيرة،
بحثا عن العائد السريع، دون أي اعتبارات
لمحددات الاستثمار طويل الأجل، فتتحول
البورصة -برعاية تلك المنتديات- إلى دار أقرب
إلى القمار والحظ دون اعتبار لأي أسس سليمة
لأزمنة عملية الاستثمار.
يصنع
الكذب ويصدقه!
تعتبر
منتديات البورصة من أهم وأخطر أساليب توجيه
عملية اتخاذ القرار بصورة عامة وتوجيهها
بصورة جماعية، بحيث تكون تلك المنتديات في حد
ذاتها "كمن يصنع الكذب فيصدقه"، فيترتب
على ذلك خلق تعامل على أساس تلك التوصيات تعطي
انطباعا بصدق ما توقعته، ولا يفيق المتعامل
من ذلك إلا حينما يجد نفسه خاسرا.
ويمثل
ما سبق تشويها جذريا لعملية اتخاذ قرار
الاستثمار؛ لأنه يؤدي إلى ترسيخ مفهوم "سلوك
القطيع" الذي تعاني منه كل البورصات
العربية حاليا.
ويعد
ما سبق أخطر ما يمكن أن تحدثه تلك المنتديات
من ترسيخ لدوافع التواكل والتبعية لعملية
الاستثمار في البورصة، وشيوع الإحباط مع
الاستسلام للظواهر السلبية العامة التي تحيط
بطبيعة محددات وخصائص التعامل في البورصات
العربية.
ولكن
يبقى أن منتديات البورصة بكل سلبياتها تمثل
إحدى الظواهر الطبيعية التي قد تصاحب تطور
عملية الاستثمار في دولنا العربية. وقد تكون
السلبيات مؤقتة إذا أعقبها حدوث نضوج وإدراك
ووعي يمكن معه أن تتحول تلك المنتديات من
معوقات للإصلاح إلى منارات للتصحيح، نسأل
الله ذلك.